صفحة 388
تفسير رسالة غلاطية
"وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ الَّتِي هِيَ زِنَى عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ" (غل ٥: ١٩). وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ .. قال الله عن أعمال الجسد التي سقط فيها الإنسان قبل الطوفان: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" (تك ٦: ٥). وبعد الطوفان: "قَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ" (تك ٨: ٢١). وعن أعمال الجسد قال السيد المسيح له المجد: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا" (مت ٧: ١٦). وأعمال الجسد تنبع من قلب إنسان جسداني كقول السيد المسيح تبارك اسمه: "لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ زِنَى فِسْقٌ قَتْلٌ. سِرْقَةٌ طَمَعٌ خُبْثٌ مَكْرٌ عَهَارَةٌ عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ كِبْرِيَاءُ جَهْلٌ. جَمِيعُ هَذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مر ٧: ٢١ - ٢٣)، والذي يسلك بحسب أعمال الجسد هو إنسان جسداني: "لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ" (١كو ٣: ٣)، وأعمال الجسد عديدة وكثيرة، وقال الكتاب عن الذين يرتكبونها: "مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَامٍ وَمَكْرًا وَسُوءًا. نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ مُبْغِضِينَ لِلَّهِ ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ. بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رَحْمَةٍ" (رو ١: ٢٩ - ٣١).
وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ .. قد يتساءل المرء لماذا يكتب بولس الرسول لكنائس القديسين عن مثل هذه الخطايا البشعة؟ .. لأن هذه الخطايا كانت تمثل ماضيهم، فبهذا صوت الروح القدس يحذر هؤلاء من الرجوع والانغماس في تلك الخطايا الشنيعة: "لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ" (غل ٥: ١٣)، ولم يقصد بولس الرسول أن يذكر جميع الخطايا إنما ذكر ما كان شائعًا من أعمال الجسد لدى الغلاطيين قبل إيمانهم، لأنه خاف عليهم أن يعودوا إليها ثانية، وهو لم يتهمهم بارتكاب هذه الخطايا، إنما فقط يحذرهم منها، والحقيقة أن المسيحية اقتحمت عالم وثني متدني انتشرت فيه كافة الخطايا والرذائل، ففي خلال الإمبراطورية الرومانية كانت كافة الخطايا الجنسية من الأمور العادية، دون أن ينهي عنها أفضل فلاسفتهم مثل سقراط وأفلاطون وشيشيرون، إلا بوصف هذه الخطايا مجرد تعدي على حقوق