صفحة 408
تفسير رسالة غلاطية
فرح ..
والكلمة اليونانية المستخدمة Chara تصف الفرح النابع من الله وليس من الخيرات الأرضية، وعندما خلق الله الإنسان عاش الإنسان متوجاً على الخليقة فرح القلب، ولم يعرف الحزن ولا الكآبة إلا بعد السقوط، كما وعد الله الإنسان بالفرح الكامل في ملكوت السموات، فملكوت الله هو فرح دائم: "لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس" (رو ١٤: ١٧)، والعبد الصالح: "قال له سيده: نِعِماً أيها العبد الصالح الأمين .. أدخل إلى فرح سيدك" (مت ٢٥: ٢٣)، وبين هذا الفرح وذاك الفرح أراد الله أن يعيش شعبه في فرح لذلك جعل لهم الأعياد والمواسم: "وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك .. وتفرح أمام الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك واللاوي الذي في أبوابك والغريب واليتيم والأرملة" (تث ١٦: ١٠، ١١) (راجع لا ٢٣)، وقال السيد المسيح تبارك اسمه: "كَلَّمْتُكُمْ بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم" (يو ١٥: ١١).
فرح ..
والفرح يختلف عن اللذة، فيقول "البابا شنوده الثالث": "اللذة خاصة بالجسد وحواسه، أما الفرح الحقيقي فهو خاص بالروح. إنسان يتلذذ بالطعام والشراب، إنها لذة الجسد. وإنسان آخر يتلذذ بالمناظر، ويشبع عينيه من أي منظر جميل. إنها أيضاً لذة تختص بحواس الجسد. وثالث يتلذذ بالسمع والموسيقى، إنها لذة الحواس. ولكن تشترك هنا الروح إن كان ما يسمعه إلحاناً روحية، أو كلمات روحية تُشبع نفسه. وحينما نتكلم عن الفرح، إنما نتكلم عن فرح الروح. لأن هناك فرحاً نفسانياً وهو فرح باطل" (١).
فرح ..
والفرح كثمرة من ثمار الروح القدس فرح ثابت لا يعتمد على الظروف الخارجية، فبالرغم من أن أهل تسالونيكي اضطهدوا بسبب إيمانهم وجازوا في الضيق لكنهم اختبروا حياة الفرح: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ بِفَرَحِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (اتس ١: ٦)، وقال بولس الرسول لأولاده في كورنثوس: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (٢كو ٦: ١٠)، فالفرح الحقيقي لا يهتز وقت التجارب والضيقات، وهذا ما عبر عنه قديماً حبقوق النبي إذ أن التين لم يزهر والكروم لم تنتج والزيتونة بلا ثمرة، والحقول لم تصنع طعاماً، والغنم انقطع عن الحظيرة والبقر عن المزاد، وبالرغم من ذلك فإنه يقول:
(١) ثمر الروح ص ١٤