صفحة 42
تفسير رسالة غلاطية
والسلام (إيريني في اليونانية، شلوم في العبرية) يشكل تمنياً تقليدياً في العالم السامي، ولكن الكلمة تحمل معنى أعمق مما تحمله التحية، فالسلام في القديم يدل على البركة وما تحمله معها من خيرات (وليس فقط الطمأنينة والبعد عن الحرب). والسلام هنا هو عطية الروح القدس (غل ٥ : ٢٢) تُمنح للذين يتعلقون بالقاعدة الإيمانية التي عرضها القديس بولس (غل ٦ : ١٦) ويسيرون في الطريق الذي رسمه رسول الأمم. تحية ناشفة ولكنها تجعلنا في إطار ليتورجي، وهذه العبارة التي أوردها الرسول، انتمت إلى شعائر العبادة المسيحية. يبدأ الاحتفال بالسلام، والنعمة (أو كسر الخبز) تختتمه .. نحن أمام عمل الله الحالي من أجل شعبه والسلام هو نتيجة هذه النعمة، وهو يدل على حماية الله وقيادته للكنيسة في حياتها كلها"(1).
نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ ..
.. يقول "ماكدونالد": "النعمة والسلام كلمتان من كلمات الإنجيل العظيمة، فالنعمة هي إحسان الله إلى الخطاة الأثمة دونما استحقاق من جانبهم .. يقول أسكوفيلد ( Scofield ): { بدل التفتيش عن الناس الصالحين بغية مدحهم، تبحث النعمة عن المحكوم عليهم والمذنبين والذين بلا حجة ولا معين، لكي تخلصهم وتقدسهم وتمجدهم}.
والسلام هو نتيجة عمل النعمة، لأنه عندما يقبل الخاطئ الرب مخلصنا، يصبح لديه سلام مع الله، فهو يستريح لعلمه أن أجرة خطاياه قد دُفعت، وأن ذنوبه قد غُفرت، وأنه لن يأتي إلى دينونة أبداً. ولكن النعمة لا تخلّص فقط بل تحفظ أيضاً .. ولا شك أن أهل غلاطية أدركوا يقيناً أن هذه البركات لا يمكن أن تأتي بواسطة الناموس، فالناموس أصدر حكم اللعنة على كل من كسر وصاياه، ولم يقدم السلام لأي نفس على الإطلاق"(٢).
نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ ..
.. النعمة هي الهبة المجانية التي يهبها الله الكريم للإنسان الذي لا يستحقها، وكان أهل غلاطية أحوج الناس لهذه النعمة لأنهم كانوا على وشك الانزلاق في بدعة التهود، كانوا يحتاجون لنعمة الله الغنية لتنتشلهم من هوة هذه البدعة وتحفظهم من
(1) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ٤٨، ٤٩
(٢) الرسالة إلى أهل غلاطية ص ۹۷۱