صفحة 422
تفسير رسالة غلاطية
لقول موسى النبي لشعبه: "وَفِي الْبَرِّيَّةِ حَيْثُ رَأَيْتَ كَيْفَ حَمَلَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ كَمَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ ابْنَهُ فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْتُمُوهَا" (تث ١: ٣١).
لطف .. رأينا هذا اللطف في مخلصنا الصالح، فعندما انتهر التلاميذ الأولاد: "اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ دَعُوا الأَوْلادَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللَّهِ" (مر ١٠: ١٤)، وفي مثل الابن الضال عندما طلب الابن الأصغر نصيبه في الميراث وبالرغم من أن الأب على قيد الحياة إلا أنه لم يمنعه عنه، وبعد أن بذر هذا الابن ماله يعيش مسرف وبمجرد عودته قبله إليه، وعندما تذمر الابن الأكبر خرج إليه أبوه وأعاده إلى البيت .. حقاً ما أعظم لطف هذا الأب الصالح الحنون، ورأينا هذا اللطف في معاملات الرب يسوع مع السامرية والمرأة الخاطئة وزكا العشار وبطرس بعد إنكاره .. رأينا هذا اللطف في مشوار الصليب: "حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللَّهِ وَإِحْسَانُهُ لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا" (تي ٣: ٤، ٥).
فاللطف صفة إلهية يتمتع بها الإنسان، ولكن من يستهين بلطف الله يسقط تحت الدينونة: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللَّهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ" (رو ٢: ٤) .. "فَهُوَذَا لُطْفُ اللَّهِ وَصَرَامَتُهُ أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضاً سَتُقْطَعُ" (رو ١١: ٢٢).
لطف .. تمتع رجال الله القديسون بهذه الصفة الطيبة، فيوسف الصديق بعد موت أبيه يعقوب ظن إخوته أنه سينتقم منهم لكنه قال لهم: "لاَ تَخَافُوا. لأَنَّهُ هَلْ أَنَا مَكَانَ اللَّهِ؟ أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً أَمَّا اللَّهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْباً كَثِيراً. فَالآنَ لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ. فَعَزَّاهُمْ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ" (تك ٥٠: ١٩ - ٢١)، وكم كان داود النبي لطيفاً مع شاول الذي كان يسعى بكل طاقته أن يقتنص روحه، وبالرغم من أنه سقط تحت يده مرتين إلا أنه لم يمد يد الأذى إليه، بل أنه بعد موته بحث عن ذرية له ليصنع معه معروفاً، فوجد مفيبوشث الأعرج الرجلين فرد إليه حقول شاول وجعله يأكل على مائدته (٢صم ٩: ٧١)، وعندما احتج سبط أفرايم على جدعون لأنه خرج لحرب المديانيين ولم يدعهم فعاملهم بلطف: "فَقَالَ لَهُمْ مَاذَا فَعَلْتُ الْآنَ نَظِيرَكُمْ؟ أَلَيْسَ خَصَاصَةُ أَفْرَايِمَ خَيْراً مِنْ قِطَافِ أَبِيعَزَرَ" (قض ٨: ٢)، فصرف غضبهم، ولم يفعل كما فعل يفتاح الجلعادي فيما