صفحة 424
تفسير رسالة غلاطية
قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ (ابط ٢ : ٣) .. من صلاح الله أن أوجدنا من العدم بعد أن رتب لنا كل احتياجاتنا فلم يدعنا معوزين شيئاً، وقد خلقنا على صورته ومثاله في الصلاح، ومن صلاحه أنه عندما سقطنا أنه لم يهملنا ولم يتركنا بل تعهدنا بالمراحم الإلهية فأعطانا الناموس وأرسل لنا الأنبياء، إلى أن أرسل ابنه "الذي هو صورة الله غير المنظور، فحمل حكم الموت عنا، وأعاد لنا صورة الصلاح التي فقدناها بالخطية، ووهبنا هباته وعطاياه الصالحة: "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ" (يع ١ : ١٧)، ويقول معلمنا يعقوب: "وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ ثُمَّ مُسَالِمَةٌ مُتَرَفِّقَةٌ مُذْعِنَةٌ مَمْلُوءَةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَاراً صَالِحَةً عَدِيمَةَ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ" (يع ٣ : ١٧) ومن أهم عطاياه أنه أعطانا روحه القدوس ليسكن فينا (١كو ٣ : ١٦).
والروح القدس بصلاحه يبكتنا على كل خطية، كما أن الله في صلاحه أودعنا الضمير كرقيب على تصرفاتنا لكيما نعيش حياة صالحة طبقاً لوصاياه، ويقول "البابا شنوده الثالث": "أيضاً من أجل قيادتنا أوجد الله فينا الضمير.
الضمير صوت من الله فينا: يحكم ويشرع، ويوبخ ويؤنب ويقود إلى الخير، ويمنعنا من الخطأ، وإن استنار الضمير بالروح القدس الذي فيك، فإنه يكون مرشداً قوياً إلى الصلاح. ورادعاً عن الشر. هذا إذا أطاع الإنسان ضميره .. ومن أجل الصلاح أيضاً، أعطانا الرب الوصايا.
ومن أجل الصلاح أيضاً، أعطانا الرب الوصايا، هذه التي يقول عنها داود النبي: "وَصِيَّةُ الرَّبِّ مُضِيئَةٌ. تُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ عَنْ بُعْدٍ" (مز ١٩)، "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز ١١٩ : ١٠٥). فالذي يحرص على أن يسلك في طريق الصلاح، عليه أن يتمسك بكلمة الله التي تهديه"(١).
صلاح .. الصلاح هو فعل الخير مع الغير بسخاء وبلا تكلف، والإحسان للغير دون أن نبغى أي هدف غير مجد الله، وثمرة الصلاح تشبه كثيراً ثمرة اللطف، وإن كانت ثمرة اللطف تظهر بالأخص في معاملاتنا مع الغير، فإن ثمرة الصلاح تنبع من الإنسان في كل وقت، وأحياناً تشمل ثمرة الصلاح الإصلاح والتأديب والتصحيح.
(١) ثمر الروح ص ٦١