صفحة 435
الأصحاح الخامس
٤٣٥
وَدَاعَةٌ .. لا يجب أن نفهم الوداعة على أنها نوع من الخنوع والخضوع والجبن والإستكانة أمام الأخطاء، فموسى النبي الرجل الوديع الحليم عندما رأى شعبه يعبد العجل الذهبي حمى غضبه على الشعب وعنّف هارون أخيه، وحطّم العجل وطحنه وذراه على وجه المياه، وأمر اللاويين بضرب كل من يتمسك بخطيئته فقتلوا ثلاثة آلاف رجل، والرب يسوع الوديع المتواضع القلب وقد تعامل بعطف زائد مع السامرية، كما تعامل بحنو زائد مع المرأة التي أمسكت في ذات الفعل، ومع ذلك فقد تصدى بقوة لمن دنسوا الهيكل وطردهم من ذلك المكان، وأيضاً واجه القيادات الدينية وصبّ عليهم الويلات، وبولس الرسول الذي كان وديعاً وقد تحمل الأتعاب والاضطهادات والضربات والجلدات، وقال لأهل كورنثوس: "أَنَا الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ" (٢كو ١٠ : ١)، ولكن عندما رأى بطرس الرسول يرتد إلى أفكار المتهودين يقول: "قَاوَمْتُهُ مُوَاجَهَةً لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا" (غل ٢ : ١١)، وبسبب الانقسامات في كورنثوس قال لهم: "مَاذَا تُرِيدُونَ. أَبِصَوْلَجَانٍ آتِي إِلَيْكُمْ أَمْ بِالْمَحَبَّةِ وَرُوحِ الْوَدَاعَةِ" (١كو ٤ : ٢١)، وهكذا كان الشهداء يسلكون في منتهى اللطف والوداعة والتواضع في حياتهم، ولكن عندما طلب منهم إنكار مسيحهم صاروا أسوداً وضحوا بحياتهم عوضاً عن التضحية بإيمانهم، وهذا ما لمسناه وشاهدناه بأعيننا في شهداء ليبيا الأبطال البسطاء، والبابا شنوده الثالث الذي تمتع بروح التواضع والوداعة عندما أراد القضاء أن يفرض على الكنيسة الزواج الثاني زأر بصوته مجلجلاً بأنه لا توجد قوة على وجه الأرض تجبرنا على مخالفة وصية الإنجيل.
وَدَاعَةٌ ..
"وتعني أن تكون محباً، حنوناً، متواضعاً، لطيفاً، مراعياً لمشاعر الآخرين، وفي ذات الوقت قوياً، فالوداعة تملك القدرة على السيطرة والخضوع، وتفعل هذا في الوقت المناسب:
أ - تجمع الوداعة بين تواضع الذهن وقوته. أما عن تواضعها فإنه لا يعني ضعفاً أو جبناً وانحناءً، فالشخص الوديع ببساطة يحب الناس ويحب السلام، ولهذا فهو يسلك بتواضع بين الناس بغض النظر عن حالتهم وظروفهم الحياتية، واصطحاب فقراء الأرض والمتضعين لا يضايق الشخص الوديع، بل بالحري فإنه يرغب أن يكون صديقاً للجميع وأن يساعد الجميع كلما أمكنه ذلك.