صفحة 440
www.christianlib.com
٤٤٠ -
تفسير رسالة غلاطية
أي كلمة بطالة أي لا فائدة منها، كقول مخلصنا الصالح: "كُلُّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ الدِّينِ" (مت ١٢ : ٣٦) .. الإنسان العفيف اللسان تجد ألفاظه بعيدة عن القسوة، فلا تنطلق الكلمات كالأحجار تحطم الضلوع، كلماته بعيدة عن البذاءات، بعيدة عن الإيحاءات الجنسية، وما شابه ذلك، إنما الإنسان العفيف اللسان فهو ينتقي الألفاظ مراعياً مشاعر الجميع، ولا يجد صعوبة في هذا لأنه اعتاد أسلوب الحديث المهذب، وأدب الحوار فحوّاراته موضوعية تدور حول الموضوع دون أن تُشخصنه، تناقش الفكر وتُفنّده وترد عليه دون أي إساءة لصاحب هذا الفكر، وصاحب القلم العفيف ينأى بنفسه عن الدخول في مهاترات، ولا يخوض في أعراض الناس، ولا يستخدم قلمه للتشهير أو التجريح، ودائماً كلمات اللسان تفيض من فضلة القلب كقول مخلصنا الصالح: "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ" (مت ١٢ : ٣٤).
ويشمل التعفف عفة اليد، فالإنسان ذو الأيدي العفيفة هو صاحب أيدي بيضاء لا تلمس ما هو محرّم عليها، لا تمتد إلى ما لا يخصها، لا تقبل رشوة ولا هدايا لتسهيل بعض الأمور، بل أنها تستحي أن تمتد لتطلب ما يخصها.
ضِدُّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ .. الناموس يشهد ضد أعمال الجسد ويدينها، أما ثمار الروح فلا يوجد ناموس ينهي عنها، ولن يجد المتهودون ما يضاد هذه الثمار في الناموس، لأنه لا يوجد ناموس ولا قانون ينهي عن هذه الفضائل التي تزين النفس البشرية كما أنها تُبهج قلب الله، فهي وليدة شركة عميقة مع الله، وهي ثمرة طاعة النفوس الأمينة لروح الله القدوس الذي يُحوّل تلك النفس الأمينة إلى شبه صورة المسيح له المجد.
ويقول "دكتور وليم آدي": "ضِدُّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ - هذه إشارة إلى الفضائل المذكورة ولا يضادها الناموس، لأنها الأثمار التي ينشئها روح الله في المنقادين بالروح. والذي يضاده الناموس هو الخطية لأنه ينهي عنها، وأما هذه الفضائل فيأمر بها، ولكن ليس له (للناموس) قوة على أن ينشئها في قلب الإنسان، بل له القوة في عقاب مبغضيها"(١).
ضِدُّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ .. ثمر الروح القدس يتوافق تماماً مع الناموس، فالله أعطى الإنسان الناموس لحين ينضج الإنسان ويتمتع بثمر الروح، والإنسان الذي يقتني ثمر
(١) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج ٧ ص ٧٥