صفحة 442
تفسير رسالة غلاطية
"وَلَكِنَّ الَّذِينَ هُم لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غل ٥ : ٢٤). وَلَكِنَّ الَّذِينَ هُم لِلْمَسِيحِ .. أي الذين آمنوا بالمسيح إيمان حقيقي عملي، الذين هم مسيحيون بالفعل وليس بالاسم، الذين صاروا في ملكية المسيح وفي معيته كقول بولس الرسول من قبل: "فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ" (غل ٣ : ٢٩) أي أننا ملكاً للمسيح بل نحن في المسيح: "لِأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" (أف ٥ : ٣٠)، وسمة هؤلاء الذين للمسيح أنه صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات نتيجة إتحادهم بالمسيح المصلوب، وهذا ما أوضحه مار بولس من قبل عندما قال: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ فَأَحْيَا لَا أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل ٢ : ٢٠)، فإننا "عَالِمِينَ هَذَا أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ" (رو ٦ : ٦). لماذا؟ .. "لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ كَيْ لَا نَعُودَ نَسْتَعْبَدَ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ" (رو ٦ : ٦) و"جَسَدُ الْخَطِيَّةِ" هنا تعبير مجازي يعبر عن حالة الإنسان الأولى قبل إيمانه بالمسيح، وهذا الجسد قد بطل بالإيمان بالمسيح أي لم يعد قادراً على استعبادنا للخطية، فجسد الخطية أي أهواء وشهوات الجسد النابعة من الإنسان العتيق والتي سمَّرها الإنسان الجديد على صليب المسيح .. هؤلاء هم الذين اتحدوا بالمسيح فضبطوا شهوات وأهواء الجسد وسمَّروها على الصليب، أو على أقل تقدير أنهم يجاهدون في سبيل تحقيق ذلك، وإن سقطوا في الطريق فسريعاً ما ينهضون مستكملين المسيرة صوب الملكوت.
ويقول "الخوري بولس الغالي" : "الَّذِينَ هُم لِلْمَسِيحِ" : هذا يعني انتماء المؤمن إلى ربه (راجع غل ٣ : ٢٩): إذا كنتم للمسيح (إذا كنتم تخصون المسيح). ويتأسس هذا الانتماء على قرار الإيمان وعلى المعمودية. لا يوضحه بولس في هذا المكان لأنه يعتبره أمراً ثابتاً. ولكن لا بد من تفسير بُعده الأخلاقي، نحن نخص يسوع المسيح حين نصلب الجسد، وهذا ما نساه الغلاطيون .. أن بولس يفترض هنا (وفي غل ٦ : ١٤) واقع المعمودية الحاسم كوسيلة أسرارية لصلب الإنسان القديم (الجسد، اللحم والدم، الإنسان الضعيف والخاطئ).
فالذي سلَّم مصيره كله إلى المسيح في فعل الإيمان .. قبل أيضاً حكم الموت على حياته الملموسة، حكم الموت الذي يعلنه الصليب على الجلجثة. فنحن نعطي فعل "صَلْب" معناه القوي، كما هي العادة عند بولس. فنحن لسنا فقط أمام تخل أدبي عن حياة رديئة،