صفحة 452
تفسير رسالة غلاطية
الرسول: "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِ" (١كو ٣: ١)، أما هنا فيخاطب الغلاطيين الذي انساقوا وراء بدعة التهوّد على أنهم روحانيون. فكيف نوفق بين هذا وذاك؟ .. الحقيقة أن بولس الرسول هنا يشجع أولاده بعد أن بكتهم ووعظهم وعلمهم صحيح العقيدة، فهو هنا يشجعهم لأنه يفترض فيهم سرعة الاستجابة والعودة لماضيهم ولروحانياتهم، فأوضح لهم أن عليهم الآن إنقاذ كل من يؤخذ في زلة، وقوله "فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ" يمثل دعوة ونداء للروحانيين لإعانة أي إنسان ساقط .. كثيرون يحتاجون مد يد العون لهم، فلا يجب أن نبخل عليهم بالجهد أو بالوقت، ومن أجل إقامة العاثرين أعطانا الله سر الكهنوت، فالكاهن أب يسرع بكل تواضع ولطف لمن عثر وسقط وينحني نحوه ليقيمه من سقطة الخطية، والروح القدس الوديع الهادئ من خلال سر الاعتراف له عمله وفاعليته وتأثيره في إصلاح التشوهات التي لحقت بالنفس التي سقطت بين اللصوص، فيضمد جراحاتها العميقة التي خلفتها الخطية.
فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ .. عندما أهمل رعاة إسرائيل في رعاية القطيع الناطق تعرضوا للتوبيخ، فقال لهم الله على فم حزقيال النبي: "الْمَرِيضُ لَمْ تُقَوُّوهُ وَالْمَجْرُوحُ لَمْ تَعْصِبُوهُ وَالْمَكْسُورُ لَمْ تَجْبُرُوهُ وَالْمَطْرُودُ لَمْ تَسْتَرِدُّوهُ وَالضَّالُّ لَمْ تَطْلُبُوهُ بَلْ بِشِدَّةٍ وَبِعُنْفٍ تَسَلَّطْتُمْ عَلَيْهِمْ .. هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ هَائِنًا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ" (حز ٣٤: ٤، ١٠)، بل أن أحيانًا تنتهز الجماعة فرصة سقوط إنسان عنيد فتستبعده وضميرها مستريح بحجة: "فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (١كو ٥: ١٣) وهذا لا يُعد دليلاً على روحانية هذه الجماعة بل يدل على أنه ليس لها قلب يسوع، فقد رأينا مخلصنا الصالح يصلح بروح الوداعة الأخطاء التي ارتكبتها السامرية تارة، والتي ارتكبتها المرأة التي أمسكت في ذات الفعل تارة أخرى دون أن يجرح مشاعر هذه أو تلك، فللسامرية يقول: "حَسَنًا قُلْتَ .. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو ٤: ١٨)، وللمرأة الخاطئة يقول: "أَمَا ذَاكَ أَحَدٌ .. وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ .. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو ٨: ١٠، ١١).
فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ .. فقد أوصى بولس الرسول من جهة الإنسان المخالف قائلاً: "لاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ. وَلَكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ" (٢تس ٣: ١٤، ١٥)، كما أوصى تلميذه تيموثاوس قائلاً له: "مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ