صفحة 453
— ٤٥٣ —
الأصحاح السادس
الْمُقَاوِمِينَ عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ. فَيَسْتَفِيقُوا مِنْ فَخِّ إِبْلِيسَ إِذْ قَدِ اقْتَنَصَهُمْ لإِرَادَتِهِ" (٢تي ٢: ٢٥، ٢٦)، فهدف التأديب واضح وهو خلاص النفس وليس الانتقام ولا التشفي، وبالمثل هذا الإنسان الذي تعرّض للانزلاق في زلة فإنه في حاجة لمن يعينه ليقف على قدميه ثانية، وهذا ما عبّر عنه لسان العطر بقوله: "أَصْلِحُوا" أي أن تجروا عملية إصلاح للموقف وإعادته إلى حالته الأولى، وتعبير "أَصْلِحُوا" هو نفس التعبير المستخدم في إنجيل متى (مت ٤: ٢١) عن إصلاح الشباك وإعادتها لحالتها الأولى، فعلى الروحيين أن يصلحوا حال من أخذ في زلة بأن يعيدوه إلى وعيه ويردوه إلى رشده بالنصح والتعليم والتهذيب والمحبة والوداعة، والمسئولية تقع بالأكثر على الرعاة والخدام والآباء. ويقول "وليم باركلي": "وكلمة "أَصْلِحُوا" التي يستخدمها بولس الرسول تعني إجراء إصلاح، وهي تستخدم أيضاً للتعبير عن العمل الذي يقوم به الجراح لاستئصال ورم من جسم الإنسان، أو جبر أحد الأطراف المكسورة، ولذلك فالجو الذي يحيط بالكلمة ينبئِر على العلاج وليس على العقاب، ويصوّر التصحيح إصلاحاً وليس تأديباً، ويقول بولس الرسول أننا عندما نرى إنساناً وقد سقط في خطأ أو خطية فيحسن بنا أن نقول {كان يمكن أن أكون أنا ذلك الإنسان لولا نعمة الله}" (۱).
فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ ..
وهنا يشير بولس الرسول بطريق غير مباشر للمتهودين المتمسكين بالناموس فيحكمون بقسوة على كل مخطئ، بسبب ضيق أفقهم - بل أنهم يدّعون أن أي إنسان مهما كان إيمانه بالمسيح إن لم يختتن فإنه لن يخلص - فالناموس يطالب بمعاقبة المخطئ، والمخطئ في ظل حكم الناموس محكوم عليه بالموت والهلاك، بينما الروحيون يعالجون الأمر بروح الوداعة واللطف والمحبة، حتى لو انزلق البعض إلى بدعة التهوّد فإنهم يصلحون من حاله بعيداً عن التقريع والتوبيخ وتوجيه أصابع الاتهام بالإدانة، فشتان بين هؤلاء المتهودين الذين يسلكون بحسب المذهب الضيق فيضيفون أحمالاً على من سقط، وبين أولئك الروحانيين الذين يعيشون بالروح ويسلكون بحسب ناموس المسيح فيسرعون لرفع الأحمال عن الساقط وتطييب جروحه.
(۱) تفسير العهد الجديد - رسالتا غلاطية وأفسس ص ۸۸