انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

٤٦١

الأصحاح السادس

العشار الخاطئ الذي لم يشأ أن يرفع عينيه إلى السماء لم ينل التبرير مثلما ناله العشار، وعندما ظن أسقف لاودكية أنه غني وقد استغنى سمع صوت ابن الله: "لأَنَّكَ تَقُولُ إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ وَلَا حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَائِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ" (رؤ ٣: ١٧).

ويقول "الدكتور القس غبريال رزق الله": "ما أكثر الذين يظنون في أنفسهم أنهم شيء! وما أوفر الظنون التي تدور في خواطرهم من هذا القبيل! وما أخطر التخيلات التي تنتاب عقولهم وتتعمق في قلوبهم فتعلو بتفكيرهم عن أنفسهم إلى مراقي الكبرياء والعظمة والانتفاخ الباطل، فينطوي كل من هؤلاء على نفسه، منتفخاً على غيره، فيصبح في حالة تحول بينه وبين الآخرين، وتمنعه منعاً باتاً عن الشركة المباركة مع الغير، وتخرجه بصورة بارزة عن الاهتمام بأمر زلاتهم وعن التعاون معهم في أثقالهم، وبذلك يصير بلا نفع في خدمة إخوته"(١).

وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا .. من يظن في نفسه أنه شيء بدون المسيح فهو إنسان متكبر، وكل إنسان متكبر هو في الحقيقة لا شيء، فالذي تعصف به الظنون فيظن أنه بعد أن حمل أثقال الآخرين أنه صار شيئاً له قدرته وعظمته فهو في نظر الله ليس شيئاً: "لأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ يَمْدَحُ نَفْسَهُ هُوَ الْمُزَكَّى بَلْ مَنْ يَمْدَحُهُ الرَّبُّ" (٢كو ١٠: ١٨). وعبارة "وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا" تعد وصفاً دقيقاً للإنسان المتكبر، أما الإنسان المتضع فكل اعتماده ليس على نفسه ولا يظن في نفسه أنه شيء، بل اعتماده بالكلية على الله، ويكفينا إبراهيم أب الآباء كمثل واضح للإنسان الذي يدرك حقيقة نفسه، فبالرغم من مدح الرب له بل أن الله قد نسب نفسه له قائلاً: "أَنَا الرَّبُّ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ" (تك ٢٨: ١٣) لكنه يقول للرب وهو يشفع في سدوم: "إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ" (تك ١٨: ٢٧)، ومثل آخر هو بولس الرسول المفرز من بطن أمه والمختار من الثالوث القدوس ورسول الأمم ولسان العطر وفيلسوف المسيحية، ومع هذا يقول: "لَيْسَ أَنَّنَا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللَّهِ" (٢كو ٣: ٥)، بل وقال عن نفسه صراحة: "وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ شَيْئًا" (٢كو ١٢: ١١)، بل وقال أيضاً: "الْخُطَاةِ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (١تي ١: ١٥).

(١) شرح رسالة غلاطية ص ٥٣٥