صفحة 463
الأصحاح السادس
الْكَنْزُ الشَّرِيرُ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت ١٢: ٣٥)، ولنحذر لئلا نُظهر الآخرين بصورة سيئة حتى تبدو صورتنا طيبة وأكثر إشراقاً، ولا سيما أننا نتمتع بمهارات عالية في الحكم على الآخرين وتفنيد أخطائهم وتضخيمها، كما أننا في غاية المهارة في تبرير أنفسنا، ولكن عندما يكون الأمر أمام فاحص القلوب والكلى وكاشف الأفكار فإنه سيختلف تماماً، لأن الإنسان أمامه يظهر عرياناً محكوماً عليه من أعماله: "لأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعاً نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ خَيْراً كَانَ أَمْ شَرّاً" (٢كو ٥: ١٠). ولكن لِيُمْتَحَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ .. كيف يمتحن الإنسان عمله؟ .. أن يراجع أعماله وسلوكياته بدقة في ضوء كلمة الله، ويبحث ويفتش عن الدوافع الداخلية لأعماله حتى لو كانت حسنة، فكم من الأعمال الحسنة ورائها دوافع ليست حسنة، فربما كانت هذه الأعمال الحسنة لتجميل صورة الإنسان وسط المجتمع الكنسي، أو إرضاء لغرور النفس وكبريائها أو لدوافع أخرى شريرة، والذي يكشف هذا الله: "الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلَامِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ" (١كو ٤: ٥)، فمهما بلغ خداع القلب فهو عريان ومكشوف أمام الله: "الْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ مَنْ يَعْرِفُهُ. أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ مُخْتَبِرُ الْكُلَى لِأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ" (إر ١٧: ٩، ١٠)، ولذلك تجد الإنسان دائماً في حاجة لهذه المعونة الإلهية: "اخْتَبِرْنِي يَا اللَّهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقُ بَاطِلٍ وَاهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً" (مز ١٣٩: ٢٣، ٢٤).
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "يجب أن ننقد أنفسنا وندينها بدقة، فإن عملنا عملاً ما نفحص هل كان من قبيل حب المديح .. أو دافع شرير أو رياء أو أية دوافع بشرية أخرى. فكما أن الذهب يبدو جميلاً قبل أن يوضع في النار، ولكن النار تمتحنه وتُظهر ما فيه من شوائب ثم تنقيه منها، كذلك نحن أيضاً حين نمتحن أعمالنا" (١).
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ .. بعد أن امتحن أعمالي، بل أعماق قلبي، فإذا اكتشفت فعلاً أنني إنسان روحاني لا أحتمل أن أرى أخي ساقطاً، بل أسرع وأسكب نفسي تحت قدميه حتى أُقيمه، ولسان حالي: "مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لَا أَضْعُفُ. مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لَا أَتَّهَبُ" (٢كو ١١: ٢٩)، فعندئذٍ أشكر الله الذي أعانني على هذه الأعمال الحسنة، ويحق لي أن أفتخر، ولكن كيف
(۱) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٥٢