صفحة 464
تفسير رسالة غلاطية
أفتخر؟ .. إنني لا أفتخر على الإطلاق بنفسي، بل ينبغي أن أنكر نفسي عملاً بوصية سيدي: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت ٢٤:١٦).
.. إذا كيف أفتخر؟ .. أفتخر بالرب الذي قواني: "هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ. لاَ يَفْتَخِرَنَّ الْحَكِيمُ بِحِكْمَتِهِ وَلاَ يَفْتَخِرَنَّ الْجَبَّارُ بِجَبَرُوتِهِ وَلاَ يَفْتَخِرَنَّ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ. بَلْ بِهَذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلاً" (إر ٩: ٢٣ ، ٢٤)، إِذَا "مَنْ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ" (١كو ١: ٣١)، وَالرَّبُّ هُوَ الَّذِي يُزَكِّينِي وَيُكَافِئُنِي: "لأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ مَدَحَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُزَكَّى بَلْ مَنْ يَمْدَحُهُ الرَّبُّ" (٢كو ١٠: ١٨).
وحينئذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ لاَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ .. عندما يقارن الإنسان نفسه بالآخرين فإما يشعر أنهم أقل منهم فيدينهم ويستصغرهم في عينيه وبهذا يسقط في الكبرياء: "اللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ" (لو ١٨: ١١). وإما يشعر أنهم أعلى منه روحانية فيصاب بصغر النفس، ولذلك لا ينبغي أن يقارن الإنسان نفسه بغيره، بل لينظر إلى النموذج الكامل للبشرية الرب يسوع ملتمساً منه العون والقوة.
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "وحينئذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ لاَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ .. الفخر خطأ، ولكن الرسول يقصد أنه إذا ما افتخرت فلا تفتخر على رفيقك كما فعل الفريسي، فإن نفذت هذا لن تفتخر أبداً، وكأن الرسول يوافق على جزء من الفضيلة حتى يصير لنا الكل. فالذي لا يعتبر نفسه أفضل من الآخرين ويرضى عن أعماله، إذ يمتحنها في نور الله، لن يفتخر بل حتى سيمتنع عن هذا الرضى"(1).
لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ .. بعد أن طالب بولس الرسول أولاده بأن يحملوا بعضهم أثقال بعض، كيف يطالب كل واحد بأن يحمل حمل نفسه؟ .. لا تعارض بين الموقفين فهناك أثقال تحل بالإنسان من جراء تعرضه لضيقة أو مشكلة أو تجربة أو ظروف طارئة، فيسرع الروحانيون بمساعدته في حمل هذه الأثقال: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ فَلِذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع ٤: ١٧). أما هنا فيتحدث عن الثقل الشخصي لكل إنسان، فكل واحد مسئول عن نتيجة أعماله وتصرفاته: "الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ ..
(1) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٥٢