صفحة 470
٤٧٠ -
تفسير رسالة غلاطية
في جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ .. المقصود الخيرات المادية الزمنية، وبالرغم من أن بولس الرسول كان يعمل في صناعة الخيام وقال احتياجاتي واحتياجات الذين معي خدمتهما هاتان اليدان، إلا أنه أشفق على بقية الكارزين وعدد كبير منهم لم تكن لديه مهارة العمل اليدوي مثلما كان له، ولذلك قال: "مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمَنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟" (١كو ٩: ٧).
"لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غل ٦: ٧، ٨).
في هاتين الآيتين نلتقي بثنائية ثلاثية، ثنائية من البذار هما الأنانية التي تتمركز حول الذات أو الإيثار حيث يفضل الإنسان غيره على نفسه، وثنائية من التربة هما الجسد والروح، وثنائية من الحصاد هما الفساد والحياة الأبدية.
لا تضلوا .. أي لا تسلكوا طريقاً آخر غير طريق الحق، ومن يضل عن طريق الحق لا بد أن يرجع إليه، وطريق الحق واضح، وفي موضع آخر يقول: "لاَ تَضِلُّوا! لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللَّهِ" (١كو ٦: ٩، ١٠)، وفي موضع ثالث يقول: "لاَ تَضِلُّوا! فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (١كو ١٥: ٣٣)، فلا تتخدعوا بصوت الباطل مهما كان مرتفعاً، فلا يصح إلا الصحيح والحق يجب أن يُتَّبَع، ومن يتبع الباطل فإنه يسير في طريق الضلال الذي نهايته الهلاك الأبدي.
الله لا يُشمخ عليه .. فعل "شمخ" من الشموخ أي الارتفاع والتعالي، فالجبال الشامخة هي الجبال العالية الارتفاع، والشموخ رمز للكبرياء، ونهاية الكبرياء الكسر: "قَبْلَ الْكَسْرِ يَتَكَبَّرُ قَلْبُ الإِنْسَانِ وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ التَّوَاضُعُ" (أم ١٨: ١٢) .. تكبر سَطَانِيل فسقط من مرتبته، وتكبر نبوخذنصر مفتخراً بمدينته قائلاً: "أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَابِلُ الَّتِي صَنَعْتُهَا بِقُوَّتِي وَاقْتِدَارِي، فَتَغَيَّرَ عقله وصار كحيوان الحقل لمدة سبع سنوات، وعندما رجع إليه عقله بارك الله قائلاً: "كُلُّ أَعْمَالِهِ حَقٌّ وَطُرُقِهِ عَدْلٌ وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ