صفحة 472
تفسير رسالة غلاطية
للزرع لو مرت وفاتت لا يصلح الزرع بعدها، وفي الوقت المناسب أيضاً نجني الحصاد، وليس قبله : "لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ" (غل ٦ : ٩).
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "هناك فرق بين الطموح الأرضي والطموح السماوي ونحن نحصد نفس البذرة التي نزرعها، فالذي يزرع للجسد خطايا وشهوات وسكر سيحصد عقاباً وعاراً وخراباً، أما من يزرع الصدقة مثلاً فسيحصد كنزاً سماوياً ومجداً أبدياً، وإن زرع الوداعة يحصد شركة الملائكة مع إكليل من الديان العادل" (١).
لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً .. من يزرع لجسده فهو مولود من الجسد فقط كقول مخلصنا الصالح: "الْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ" (يو ٣ : ٦)، ومثل هؤلاء قال عنهم بولس الرسول أنهم: "مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ مُحِبِّينَ لِلْمَالِ .. مُحِبِّينَ لِلَّذَاتِ دُونَ مَحَبَّةِ اللَّهِ. لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى وَلَكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتِهَا" (٢تي ٣ : ١ - ٥)، ومن يزرع لجسده فإنه يسعى نحو المقتنيات بينما يكون شحيحاً في العطاء، فيضن على المعلمين الروحيين بما يساعدهم على شظف العيش، فتصارى همه في تكويم الأموال وحيازته كل شيء ومبدأه: هل من مزيد؟ لا يعترف بقول الكتاب: "فَرَّقَ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ. بِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ. قَرْنُهُ يَنْتَصِبُ بِالْمَجْدِ" (مز ١١٢ : ٩) .. أليس من المؤسف أن نجد الملايين من الجنيهات تُصرف على الملذات الجسدية، بينما قليل جداً ما يُصرف على حقل الكرازة والتعليم؟! .. فمن فكر في تقديم الدعم المادي للإكليريكيات؟! ومن فكر في تولي الصرف على خريج إكليريكية متميز يسعى لاستكمال دراساته اللاهوتية بالخارج؟!
لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً .. من يزرع شروراً يحصد شقاوة وبلية، فَقَدِيماً قال أليفاز التيماني "كَمَا قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْماً وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا" (أي ٤ : ٨)، وقال سليمان الحكيم: "اَلزَّارِعُ إِثْماً يَحْصُدُ بَلِيَّةً وَعَصَا سُخْطِهِ تَفْنَى" (أم ٢٢ : ٨)، وقال الله عن شعبه الذي سعى لزرع الجسديات: "إِنَّهُمْ يَزْرَعُونَ الرِّيحَ وَيَحْصُدُونَ الزَّوْبَعَةَ. زَرْعٌ لَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ لاَ يَصْنَعُ دَقِيقاً. وَإِنْ صَنَعَ، فَالْغُرَبَاءُ تَبْتَلِعُهُ" (هو ٨ : ٧)، أي أن أرضهم لن تنتج، ولو أنتجت فالغرباء يستولون على الحصاد .. "قَدْ حَرَّثْتُمْ النِّفَاقَ حَصَدْتُمُ الإِثْمَ أَكَلْتُمْ ثَمَرَ الْكَذِبِ. لأَنَّكَ وَثَقْتَ بِطَرِيقِكَ، بِكَثْرَةِ أَبْطَالِكَ" (هو ١٠ : ١٣).
(1) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٥٣