صفحة 476
تفسير رسالة غلاطية
لِأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لَا نَكِلُّ .. فِعْلُ "نَكِلُّ" يُشِيرُ لِلْإِرْهَاقِ وَالتَّعَبِ، فَأَحْيَانًا نَفْعَلُ الْخَيْرَ وَلَا نَجِدُ اسْتِحْسَانًا وَلَا كَلِمَةَ شُكْرٍ، بَلْ كَثِيرًا مَا نُوَاجِهُ بِالْجُحُودِ مِنْ قِبَلِ مَنْ أَحْسَنَا إِلَيْهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَوَقَّعٌ بَعْدَ أَنْ جَالَ ابْنُ اللَّهِ يَصْنَعُ خَيْرًا وَإِذْ بِالَّذِينَ شَفَاهُمْ أَوْ شَفَى مَرْضَاهُمْ وَأَطْعَمَهُمْ وَرَفَعَ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ وَإِذْ بِهِمْ يَصْرُخُونَ: اصْلِبْهُ اصْلِبْهُ، لِهَذَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ وَنَعِيَ أَنَّ مَنْ يَزْرَعُ الْخَيْرَ، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ الْمُحِيطَةُ وَالتَّابِعَةُ، لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُدَ فِي وَقْتِهِ، أَيْ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ زَمَنَ هَذِهِ الْحَيَاةِ عِنْدَمَا نُبْصِرُ بِأَعْيُنِنَا ثَمَرَ تَعَبِنَا وَجِهَادِنَا فِي الْخِدْمَةِ، فَنَفْرَحُ بِثَمَرِ خِدْمَتِنَا وَنُبَارِكُ اللَّهَ، وَقَدْ يَطُولُ الْوَقْتُ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ بَعْدَ أَنْ نُغَادِرَ هَذِهِ الْحَيَاةَ، وَرُبَّمَا فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، فَيَكُونُ هَذَا الْعُمْرُ لِلزَّرْعِ فَقَطْ وَعَمَلِ الْخَيْرِ، وَالْعُمْرُ الْآتِي لِلْحَصَادِ وَالْمُكَافَأَةِ، وَحَقًّا قَالَ الْجَامِعَةُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَوَاتِ وَقْتٌ" (جَا ٣: ١)، وَلِهَذَا أَوْصَانَا قَائِلًا: "ارْمِ خُبْزَكَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ" (جَا ١١: ١)، كَمَا أَوْصَانَا الْكِتَابُ: "وَلَكِنْ لَا تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ لِأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللَّهُ" (عِب ١٣: ١٦).
لِأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لَا نَكِلُّ .. الْمُهِمُّ جِدًّا أَنْ لَا نَكِلَّ نَاظِرِينَ إِلَى قَوْلِ مُعَلِّمِنَا يَعْقُوبَ: "هُوَذَا الْفَلَّاحُ يَنْتَظِرُ ثَمَرَ الْأَرْضِ الثَّمِينَ مُتَأَنِّيًا عَلَيْهِ حَتَّى يَنَالَ الْمَطَرَ الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ" (يَع ٥: ٧) فَعَلَيْنَا أَنْ نَصْبِرَ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ. إِلَى مَتَى؟ .. إِلَى الْمُنْتَهَى: "الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهَذَا يَخْلُصُ" (مَت ٢٤: ١٣)، وَقَدْ عَاتَبَ الرَّبُّ يَسُوعُ مَلَاكَ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ الَّذِي تَعِبَ وَكَلَّ فَتَرَكَ مَحَبَّتَهُ الْأُولَى (رُؤ ٢: ٤، ٥)، وَقَالَ لِسَانُ الْعِطْرِ: "لِأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (عِب ١٠: ٣٦)،
وَعِنْدَمَا نُثَبِّتُ أَعْيُنَنَا نَحْوَ الصَّلِيبِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَمِدَّ الصَّبْرَ مِنْ ذَاكَ الَّذِي صَبَرَ عَلَى مَوْتِ الصَّلِيبِ: "فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ لِئَلَّا تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ" (عِب ١٢: ٣)، وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَصْبِرَ عِنْدَمَا نَضَعُ الْوَعْدَ الْإِلَهِيَّ أَمَامَ أَعْيُنِنَا: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رُؤ ٢: ١٠).
وَرُبَّمَا فِعْلُ "كَلَّ" يُفِيدُ عَكْسَ فِعْلِ "تَمَنْطَقَ"، فَالْإِنْسَانُ كَانَ يَتَمَنْطَقُ أَيْ يَشُدُّ حِزَامَهُ حَوْلَ وَسَطِهِ تَأَهُّبًا لِلْعَمَلِ، وَعِنْدَمَا كَانَ يَتَعَبُ وَيَكِلُّ وَيَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ كَانَ يُرْخِي حِزَامَهُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَفَّ عَنِ الْعَمَلِ، فَيَلِيقُ بِنَا أَنْ نَكُونَ مُتَمَنْطِقِينَ دَائِمًا مُتَأَهِّبِينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ: