صفحة 484
تفسير رسالة غلاطية
لِئَلَّا يَضْطَهِدُوا .. لئلا يضطهدوا من اليهود كقول بولس الرسول: "وَأَمَّا أَنَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فَإِنْ كُنْتُ بَعْدُ أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ فَلِمَاذَا أُضْطَهَدُ بَعْدُ" (غل ٥ : ١١)، فأراد هؤلاء المتهودون أن يمسكون العصا من المنتصف، فهم يُظهرون للغلاطيين أنهم مسيحيون بل هم أشد تديناً وتمسكاً بناموس الله، ويُظهرون لليهود أنهم ما زالوا يهوداً بدليل تمسكهم بالختان، أما بولس الرسول فيفضح هنا نواياهم هذه.
لِئَلَّا يَضْطَهِدُوا لِأَجْلِ صَلِيبِ الْمَسِيحِ فَقَطْ .. شعر اليهود أن المسيحية قد سحبت البساط من تحت أقدامهم، واعتنق كثير من اليهود وكهنتهم الديانة الجديدة، فثاروا ضد المسيحيين، أما الغلاطيون فارتضوا أن يختتنوا لئلا يضطهدوا سواء من الدولة الرومانية بحسب رأي البعض، أو من اليهود والمتهودين، ولم يريدوا أن يدفعوا تكلفة حمل الصليب، بل رأوا في الصليب عثرة، بل أن البعض صار عدواً للصليب: "لِأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا وَالْآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ" (في ٣ : ١٨).
ويقول "الأب متى المسكين" "لِئَلَّا يَضْطَهِدُوا لِأَجْلِ صَلِيبِ الْمَسِيحِ فَقَطْ .. كان كل ما يخافه هؤلاء اليهود المتنصرين شكلاً هو أن يُقال عنهم من اليهود المحاربين للمسيحية أنهم خضعوا لصليب المسيح وتقربوا من المسيحيين، فكانوا يصنعون الختانة رعباً من اضطهاد يهود أورشليم .. فالختانة التي أرادها هؤلاء المزعجون لمسيحيي غلاطية هي خوفاً من اضطهاد اليهود فقط" (۱).
كان هدف المعلمين الكذبة كسب تأييد أندادهم وأيضاً الهروب من الاضطهاد، سعوا وراء استحسان الناس وتأييدهم أكثر من تأييد الله ومصادقته. رأى كثيرون .. في يسوع المسيح مخلص العالم، ولكنهم قبلوه فقط كإضافة للناموس .. (وقالوا) علينا الاقتراب من الله بواسطة كل من الناموس ويسوع المسيح. وعليه، فلم يكن مستحباً في ذلك اليوم إعلان أن يسوع المسيح وحده هو الطريق إلى الله. أما الخدام الذين نادوا وأعلنوا أن المسيح وحده هو الطريق الوحيد إلى الله، فقد اضطهدوا سواء بالسخرية منهم، أو الاستهزاء بهم، والإساءة إليهم ورفضهم، والخادم الذي بشر بالخلاص بصليب المسيح وحده، كان يُعتقد أنه يعمل على تدمير الناموس والديانة الأساسية، وهكذا اضطهد خدام الديانة، خدام الصليب، فكان
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤٠٩