صفحة 486
٤٨٦
تفسير رسالة غلاطية
بَلْ يُرِيدُونَ أَنْ تَخْتَتِنُوا أَنْتُمْ لِكَيْ يَفْتَخِرُوا فِي جَسَدِكُمْ .. الذين يسعون للختان غالباً ما يكون هدفهم الأول هو الافتخار، فهم يريدون أن يظهروا كمعلمين لهم تلاميذ وأتباع كثيرين، ويكفيهم فخراً أنهم اقتنصوا عدداً لا بأس به من أتباع بولس الرسول، ويقول "بويس" Boice: "كان سعيهم محاولة لربح الآخرين إلى نظام أعلن إفلاسه لأنه لم يكن حتى ذوو الختان قادرين على حفظ الناموس" (۱).
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "لقد اتهم اليهود بني جنسهم من المسيحيين بإهمال عوائد الآباء، فهؤلاء إذ يجبرونكم على الختان يجدون فرصة الدفاع عن أنفسهم بواسطة جسدكم، ويصدون التهمة الموجهة إليهم. هؤلاء يرفضون الله ليرضوا البشر، ويتصرفون بدوافع بشرية ليظهروا كمعلمين لهم تلاميذ" (۲).
ويقول "الخوري بولس الفغالي": "من هم المختتنون التي تتحدث عنهم (آية ١٣) ضحية هؤلاء المبلبلين؟ بل هؤلاء المبلبلون المتمسكون بالختان. يتحدثون عن الشريعة ولكنهم لا يعملون بها. هم لا يهتمون بأن يطيعوا الله ويمجدونه بهذه الطاعة، بل يطلبون مجدهم الخاص حين يقنعونكم بالختان (يفتخرون بلحكم الذي قبل الختان)، وفي غيرتهم على الشريعة، لا يطلبون رضى الله بل رضى اليهود. هم يفتخرون بالجسد، أما بولس فكل فكره في يسوع ويسوع المصلوب" (۳).
"وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غل ٦ : ١٤).
"وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ .. "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي"، فهذا بولس الرسول يُعبّر عن مشاعره الخاصة ليس من قبيل التفاخر والعظمة، ولكن لإعلان الحق، وهذا ما اعتدناه منه، مثل قوله: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي" (غل ٢ : ٢٠) .. لقد كان لشاُول الطرسوسي أمور كثيرة يفتخر بها، ولكن بعد إيمانه
(۱) أورده ماكدونل - الرسالة إلى غلاطية ص ١٠٤
(۲) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٥٤
(۳) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ٢١١