انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
٤٩٠ -

تفسير رسالة غلاطية

لِلْخَطِيَّةِ" (رو ٦: ٦)، فبالصليب يموت الإنسان عن الانشغال الزائد بأمور العالم الاجتماعية والسياسية التي تستهلك وقتنا وجهدنا، وبالصليب تصبح مباهج الحياة وملاذها كلا شيء، فقد صرت كمصلوب ميت، كل هذه الملذات والمسرات والشهوات لا تؤثر على عاطفتي ولا تشغل فكري، وهذا هو معنى "صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ"، فإنني مستعد في كل لحظة لتسمير كل هذه الأمور على خشبة الصليب، بل أنني مستعد لاحتمال الآلام والموت من أجل المسيح، فتعبير "قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" تعبير في منتهى القوة، يعبر عن موت العالم بالنسبة للإنسان المسيحي الأمين، فهو عالم مصلوب مقهور مغلوب وميت، كما يعبر عن موت الإنسان المسيحي بالنسبة للعالم لأن الإنسان صار مصلوباً في حكم الميت عن هذا العالم، فلم يعد العالم بكل ما فيه يغريه ولا يستهويه، فأولئك الذين ماتوا عن العالم، صار العالم بالنسبة لهم عالم ميت: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ .. الْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (١يو ٢: ١٥، ١٧)، وجعلت الكنيسة هذه العبارة ختام لرسائل الكاثوليكون ليسمعها الشعب في كل مرة يحضر القداس الإلهي.

ويقول "متى هنري": "كان الرسول ميتاً للعالم، إذ أنه في المسيح قد صلب العالم له وهو للعالم، الأمر الذي جعله يرتفع ويسمو فوق مسراته وأحزانه ومتاعبه، إذ أنه لم يبال به، لأنه كان ميتاً له ونحن نعلم أننا كلما ازداد تأملنا في آلام فادينا العزيز تضاعلت محبتنا للعالم (١).

"يُصلب الصليب العالم للناس: والناس للعالم. ما معنى هذا؟

أ - يُصلب الصليب العالم للناس. فالعالم له كل أنواع الجاذبية التي تفتن الناس، والناس يشتهون ما يجذبهم، وما أكثر ما يشدّهم ويغريهم، مثل:

* المكانة     * القوة     * القبول     * المال

* الجنس     * الملذات     * الشرف     * الطعام     * الممتلكات

وتستمر هذه القائمة لتشمل كل ما يغري الإنسان ويفتنه على الأرض، ولكن ما هي نهايتها جميعاً؟ الفساد، الانحلال، الموت، والدينونة. وحتى الإنسان نفسه يشيخ ويموت، ويتحلل، فلا شيء على الأرض يدوم ويحيا إلى الأبد ..

(١) التفسير الكامل للكتاب المقدس - العهد الجديد جـ ٢ ص ٣٩٢