انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

www.christianlib.com

٤٩٢

تفسير رسالة غلاطية

ويقول "دكتور وليم آدي": "صُلِبَ العالم لي": قال هذا لأنه بالصليب زالت سلطة العالم عليه. كان قبلاً متمسكاً بالعالم ولكنه لما آمن بالمسيح مصلوباً اتحد به واشترك في كل ما أصابه حتى صار العالم كمصلوب له وميت عنه منفصلاً عن الله بالنظر إلى كونه مركز الأباطيل والشهوات المحرمة. ولا ريب في أنه أطلق العالم على كل الأمور الخارجية المحسوسة التي هي تجارب تقود إلى الخطيئة وكذلك كل رسوم الديانة من الختان وأشكاله .. ونظر بولس إلى آلام المسيح على الصليب باعتبار كونها آية محبته وواسطة فدائه.

إن الإنسان الطبيعي يميل إلى الافتخار بكل ما سوى الصليب من صيت ونجاح دنيوي وغنى ومقام، فلا يريد أن يصلب العالم له، لأنه شهد إعلان عظمته ومصدر لذاته.

وأنا للعالم: أي وأنا صُلبتُ للعالم.. فالعالم في عيني المسيحي بلا رونق ولا جاذبية والمسيحي فقد كل شوق إلى العالم ولذة به فإذا مات كل منهما عن الآخر فالأشياء العتيقة قد مضت والمسيح صار الكل وفي الكل، والمسيحي ربح بالصليب أكثر مما خسره بتركه العالم، فكان ذلك عوضاً عن احتقار العالم له وبغضه إياه، وفي هذه الآية ثلاثة أنواع من الصليب:

الأول: صُلِبَ الرب يسوع المسيح القربان العظيم الذي بدونه لا قيمة لإنكار الذات ولا إمكان له، ولذلك قال الرسول "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليبه".

الثاني: صُلِبَ العالم المجرب المحتال الذي يجتهد أن ينزع من النفس كل طهارة وإيمان، وقدرته على الخداع والأضرار تبرهنت بإهلاك ألوف وربوات كثيرة من الناس وقوة أباطيله وشهواته الجاذبة أبطلت بالصليب كأنه عُلّق عليه ومات، وهذا ما دلّ عليه قوله: "به صُلِبَ العالم لي".

الثالث: صُلِبَ الرسول للعالم، بدليل قوله: "وأنا للعالم" إشارة إلى كونه قد انقطع عن الاكتراث بالمدح البشري واللذة الدنيوية والمكاسب المحرمة وعن كنز الكنوز في الأرض. وفي كل ما قاله في افتخاره بالصليب وحده أظهر رغبته في أن يقتدي به متنصرو غلاطية فيجعلوا الصليب موضوع افتخارهم (۱).

(۱) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ ٧ ص ٨٤، ٨٥