صفحة 51
الأصحاح الأول
الجميع أنه من المستحيل أن يجامل الناس على حساب الإيمان السليم والعقيدة القويمة، ولو تنازل عن مبدأه هذا فهو لا يستحق أن يكون عبداً للمسيح.
"إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيلٍ آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ" (غَل ١: ٧، ٦).
إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً .. الذي يثير عجب الإنسان هو حدوث أمر غريب شاذ غير متوقع، وهذا ما حدث مع بولس الرسول إذ رأى أولاده الذين تمخض بهم يرتدون عن الإيمان القويم بهذه السرعة، وفعل "أَتَعَجَّبُ" الذي استخدمه بولس الرسول هنا في الأصل اليوناني يحمل معاني أقوى من التعجب، مثل "أدهش" أو "انذهل"، أو "أصعق"، وقصد بولس الرسول أن يستخدم هذا الفعل ليشعرهم بمدى الخطأ الذي سقطوا فيه فيخجلوا من أنفسهم، وبولس الرسول الذي أوصى تلميذه تيموثاوس قائلاً له: "وَبِّخْ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ" (٢تي ٤: ٢) يستخدم نفس الأسلوب هنا مع أهل غلاطية مبتدئاً بداية هادئة بإظهار علامات التعجب، ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "هكذا وضع الرسول الغلاطيين أمام قضيتين: هرطقة وانحراف، فيوبخهم قائلاً: "كيف حدث هذا التحول سريعاً دون أن يحتاج خادعوكم إلى وقت لتنفيذ خططهم، أهكذا يسيئونكم بلا جهد؟ نحن نلوم الإنسان كثيراً إذا ما تحول عن صديقه فكم بالحري أنتم إذ تتحولون عن الذي دعاكم" (١).
ويقول "الخوري بولس الغالي": "ويبدي بولس دهشته (راجع ٢تي ١: ١٠ دهشة قوية، مت ٨: ٢٧، أع ٢: ٧). ولكن ما الذي يدهشه؟ أولاً، سرعة ما حصل في غلاطية، فانقلاب الغلاطيين لم يكن وليد تطور بطئ تضمن مجادلات معمقة مع الرسول، كما حصل له في كورنثوس. بل أن عمل الخصوم وجد تجاوباً مباشراً وسريعاً في كنائس غلاطية، وهذا الانقلاب يبدو بشكل انفصال وفك ارتباط: اتهم بولس الغلاطيين بالخيانة، بعد أن فهموا الكرازة البولسية وقبلوها، ها هم يتخلون عنها فجأة وبتأثير خارجي. أنهم يعيشون الآن أزمة حقيقية. إنهم ينتقلون الآن من موقع إلى آخر.
(١) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ١٢