صفحة 52
تفسير رسالة غلاطية
ولكن عمن ينفصل الغلاطيون؟ من هو الذي دعاهم؟ الرسول، الله، أم يسوع المسيح؟ هذا تمييز لا يتوقف عنده الرسول. الله هو الذي يدعو أولاً. ولكن يعبر عن هذه الدعوة بالكرازة الرسولية على أساس عمل يسوع المسيح في التاريخ. فإن تخلى الغلاطيون عن بولس، كانوا وكأنهم يتخلون عن كرازته وبالتالي عن المسيح والله ..
لقد نسى الغلاطيون عمل الله في يسوع المسيح .. لكي يوجهوا قلوبهم إلى إنجيل آخر. إذا لسنا أمام خيانة من نوع اللامبالاة والإهمال، بل أمام خطر الجحود. كان الغلاطيون قد سمعوا إنجيل بولس وقبلوه، وهاهم يسمعون إنجيلاً آخر ويستعدون لقبوله .. نحن أمام كرازة تسمي نفسها "إنجيلية" ولكنها في الواقع تدمر الإنجيل تدميراً كلياً (١).
أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً .. وكلمة "تَنْتَقِلُونَ" المستخدمة هنا هي نفس الكلمة التي أُستخدمت للتعبير عن نقل أخنوخ من الأرض للسماء (عب ١١: ٥) وأيضاً نقل عظام يوسف من مصر إلى شكيم (أع ٧: ١٦)، وهذا يُظهر اتساع النقلة التي انتقلها الغلاطيون أو التي انحدروا إليها، والانحدار دائماً ما يكون سريع وشديد، ولذلك قال لهم " سريعاً "، فهو يقول لهم أنكم لم تواجهوا هذا الفكر الفاسد من خلال صراع طويل قد أرهقكم، ولم تستشيروا أباكم الروحي، ولم تلتمسوا المشورة الإلهية من خلال أصوام صادقة وصلوات عميقة، إنما سريعاً ما رفعتم الراية البيضاء، وسلمتم زمام الأمور لهؤلاء المعلمين الكذبة وانسقتم وراءهم. لقد شابهتم الأطفال الذين تسحرهم قطع الحلوى حتى لو كانت في أيدي الأعداء، ولم تفكروا أي نوع من الحلوى هذه، فانجذبتم لهرطقاتهم، وغيرتم أذهانكم وهجرتم إيمانكم القويم، بل صرتم متحمسين لهذه الأفكار الخادعة.
ويقول "لأب متى المسكين" : "أما من حيث الغلاطيين الذي وصفهم ق. بولس بالغباء بمعنى عدم الإمساك بالنعمة "ونور" الروح القدس، فهذا يشير إلى أنهم تهاونوا بالعطية العظمة التي نالوها تحت إغراء الحية مرة أخرى في شخص اليهود المتنصرين الكذبة، الذين أبقوا ولاءهم للناموس وأعماله ورفضوا قوة النعمة ومفاعيلها، فتسرب إليهم سم الحية من أفواه هؤلاء الأخوة الكذبة وسكن أحشاءهم ودخلوا في عملية الانتقال من عمل النعمة إلى عمل
(١) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ٥٧، ٥٨