صفحة 53
— ٥٣ —
الأصحاح الأول
الناموس كما ينتقل "الأعمى" من الطريق الصحيح المعبد إلى السقوط في حفرة بدفع غاش يأتيه من خلف بيد أعمى مثله، حسب قول الرب: "هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ" (لو ٦ : ٣٩)(١).
أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً ..
لم يكن قد مرَّ على إيمان الغلاطيين سوى زمن وجيز يتراوح من سنة إلى خمس سنوات، فهم ما زالوا نبتة صغيرة حديثة، تحتاج لرعاية أكبر للحفاظ عليها حتى يشتد عودها فتستطيع أن تواجه الرياح والعواصف .. ولاحظ أن بولس الرسول لم يقل لهم: "قد انتقلتم" بل قال "تَنْتَقِلُونَ" أي أنكم ما زلتم في مرحلة الانتقال لم تنتهوا منها بعد، ولم تسقطوا في شباكهم بالكامل فما زالت هناك الفرصة للنجاة .. تأمل كيف يزن بولس الرسول الأمور ويتخير الألفاظ من أجل رعاية أولاده، فلم يكن هدفه قط تحطيمهم إنما كان هدفه إنقاذهم.
تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعاً عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ ..
إذاً يوجد داعي ومدعوين ودعوة، والداعي هو الله الآب: "وَإِلَهُ كُلِّ نِعْمَةِ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (١بط ٥ : ١٠)، فلن نصل إلى هذا المجد الأبدي بدون نعمة المسيح .. من جهة الداعي فإنه يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، وهو القائل: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ لأَنِّي أَنَا اللَّهُ وَلَيْسَ آخَرُ" (إش ٤٥ : ٢٢) .. "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" (يو ٧ : ٣٧) لأن "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً" (يو ٦ : ٣٧). والمدعوون هم العطشى لماء الحياة : "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعاً هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْراً وَلَبَناً" (إش ٥٥ : ١)، والدعوة هي دعوة للملكوت السمائي، فكان الرب يسوع: "يُكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ" (مر ١ : ١٤)، وأرسل تلاميذه ليكرزوا للخليقة كلها (مر ١٦ : ١٥).
عن الذي دعاكم بنعمة المسيح .. قبل الدعوة التعيين وبعد الدعوة التبرير والتمجيد: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضاً. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضاً. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضاً" (رو ٨ : ٣٠) .. كان الغلاطيون من الأمم الذين انطبقت
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٩٠