صفحة 55
الأصحاح الأول
وهكذا بالنسبة للروح القدس، وهذا ما أوضحه بولس الرسول في موضع آخر قائلاً: "فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الآتِي يُكْرِزُ بِيَسُوعَ آخَرَ لَمْ نُكْرِزْ بِهِ، أَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ رُوحاً آخَرَ لَمْ تَأْخُذُوهُ، أَوْ إِنْجِيلاً آخَرَ لَمْ تَقْبَلُوهُ، فَحَسَناً كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ" (٢ كو ١١: ٤). إذا نستطيع أن نقول أن هناك كرازتان مختلفتان أحدهما صحيحة والأخرى خاطئة، ولا يوجد إنجيلان مختلفان، لأن الإنجيل واحد، والإنجيل هو البشارة المفرحة، وليس من المعقول أن يكون هناك بشارة غير مفرحة، فالبشارة من البشرى، والبشرى دائماً مفرحة، فهي دائماً إنجيلاً.
إِنْجِيلٌ آخَرُ لَيْسَ هُوَ آخَرَ ..
حيث أن الله واحد، فلا بد أن يكون إنجيله واحداً، وليس إنجيلين متناقضين، فوحدانية الله تفرض وحدانية الإنجيل، وإن تساءل أحد: هل العهد القديم يدخل ضمن الإنجيل؟ نقول له أن الكتاب المقدس بعهديه هو كتاب واحد وليس كتابين متضاربين، العهد الجديد مستور في العهد القديم، والعهد القديم مشروح في العهد الجديد، وإن كان العهد الجديد يمثل الشجرة الوارفة، فإن العهد القديم يمثل جذور هذه الشجرة التي لا غنى عنها، وإن كان العهد الجديد يمثل المبنى الشاهق فإن العهد القديم يمثل أساسات هذا المبنى التي لا غنى عنها، وعن الإنجيل الواحد قال بولس الرسول: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللَّهِ لِلْخَلاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ" (رو ١: ١٦)، أما المقصود بالإنجيل الآخر فهو التعليم الغريب عن روح الإنجيل، إذ جعلوا الختان وأعمال الناموس شرط وأساس للخلاص، وبهذا بخسوا دم المسيح، وكأنه غير كاف بمفرده للخلاص.
إِنْجِيلٌ آخَرُ لَيْسَ هُوَ آخَرَ ..
سُئل القديس أيريناوس ما هو الخطأ الذي يرتكبه الهراطقة إذا كانوا يسوقون حججهم من آيات الكتاب المقدس؟ فقال لو أن هناك فنان بارع (الروح القدس) صنع من قطع الفسيفساء صورة للملك (المسيح)، فجاء فنان آخر شرير وفك هذه اللوحة الرائعة، واستخدم نفس القطع في عمل صورة لحيوان، فهل نقبل عمله هذا رغم أنه استخدم الوحدات الأولى لصورة الملك؟!.. بالقطع لا، وهذا ما يفعله الهراطقة، ولذلك يجب أن نفهم الإنجيل بحسب مفهوم الكنيسة ونتعلمه بروح التقوى: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيماً آخَرَ، وَلاَ يُوَافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئاً" (١ تي ٦: ٣، ٤).