صفحة 56
يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ
هؤلاء القوم هم الرجال الذين انحدروا من اليهودية إلى أنطاكية وتصدى لهم ونازعهم وباحثهم من قبل بولس الرسول وبرنابا: "وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الإِخْوَةَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا. فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايِخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ" (أع ١٥: ١، ٢)،
وبسببهم اجتمع مجمع أورشليم وأوضح الحقيقة: "إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاساً خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَالٍ، مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ، وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا النَّامُوسَ، الَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ" (أع ١٥: ٢٤)،
ووصلت هذه البدعة إلى غلاطية وعمل على نشرها المسيحيون الذين من أصل يهودي، والذي يعتزون بتراثهم اليهودي، فآمنوا بالمسيحية دون أن يتخلوا عن معتقداتهم اليهودية، فأرادوا أن تكون المسيحية امتداداً لليهودية، وشيعة من شيعها، وهاجموا بولس الرسول الذي تصدى لهم متهمين إياه بأنه ضد ناموس موسى،
وألبسوا هرطقتهم ثوب البر، فقال عنهم بولس الرسول: "لأَنَّ مِثْلَ هَؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ. وَلاَ عَجَبَ لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ" (٢كو ١١: ١٣-١٤).
يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ
كيف يرتكب الإنسان المتعصب للناموس جرائم بدون وعي وهو مستريح البال، هكذا كان بولس راضياً بقتل إسطفانوس، وهكذا كان يوثق المسيحيين الأبرياء ويزج بهم في السجن، ويقول "لأب متى المسكين": "والقديس بولس .. أدرك أعظم خدعة أوقعه فيها الناموس إذ جعله كالمجنون يضطهد المسيحيين ويتعقبهم رجالاً ونساءً، ويسجن ويقتل ويرجم بدافع من غيرة جامحة على الناموس، معتقداً أنه بذلك يؤدي خدمة لله وواجباً مقدساً للناموس. وأخيراً اكتشف أنه واقع في ضلالة خطيرة جعلته يضطهد المسيح نفسه ويؤذي أولاده بل جسده باسم الناموس والغيرة على الناموس .. فالقديس بولس إنما يقدم لهم هذه التوعية كخبير وكمن عاش في هذه الضلالة مخدوعاً تحت غيرة الناموس"(١).
(١) شرح رسائل القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٩٤