صفحة 58
تفسير رسالة غلاطية
فعلت هذا فهذا يعني أنني إنسان غير أمين على الإنجيل، بل إنسان خائن يستوجب القطع من الكنيسة، بل واللعنة أيضاً، وبهذا طبق بولس الرسول مبدأ العقوبة والحزم على نفسه هو ومن معه. وأيضاً عندما طبق القديس بولس الحزم على نفسه أولاً، فقد ردّ على الذين يتهمونه بالتشدّد وبأن كلامه مُقرّر.
ويقول "الأب متى المسكين": "إذاً فشدة ق. بولس وربما قساوته وتعنيفه وتوبيخه الشديد قد أثمر للجميع ثمر إيمان ومحبة. فلا عتاب على ق. بولس في شدته، بل هو يستحق المديح كمعلم مُلهم يستطيع أن يؤدّب ويكسب من يؤدّبه وهذه نعمة الله عليه، اسمعه يقول: "هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلُوٍّ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ، وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ مِنَ الْخَارِجِينَ عَلَى الإِيمَانِ) عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمَلَتْ طَاعَتُكُمْ (٢كو ١٠: ٥، ٦)"(١).
ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك .. لم يقصد بولس الرسول التعالي والتفاخر، ويقول: "القديس يوحنا الذهبي الفم": "تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضاً يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب ويوحنا .. وقد أضاف "من السماء" عمداً، لأن الكهنة أيضاً "يدعون ملائكة"(٢).
إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء .. لقد كان رد فعل بولس الرسول على بدعة اليهود قوياً، حتى أنه أصدر حكمه بالحزم على من ينادي بهذه البدعة حتى لو كان ملاكاً من السماء، والملاك النازل من السماء بلا شك يحمل تعاليم السماء، إلا إذا كان بولس الرسول يقصد بالملاك أحد أمرين:
١- أحد الرسل أو الأساقفة كما دعى الرب يسوع الأساقفة في سفر الرؤيا بملائكة الكنائس، فكلمة "ملاك" تعني "رسول"، وربما قصد بولس الرسول أن يذكرهم كيف قبلوه في البداية كملاك: "كَمَلاَكٍ مِنَ اللَّهِ قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غل ٤: ١٤)، وقال لأهل كورنثوس: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ" (١كو ١٣: ١).
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٩٧
(٢) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٢٢