صفحة 59
— ٥٩ —
الأصحاح الأول
٢- الملك الساقط من السماء أي الشيطان، ولذلك قال: "مَلاكٌ مِنَ السَّمَاءِ" ولم يقل "ملاك من الله"، لأن ملاك الله يحمل رسالة الله كما هي بالضبط، وقال بولس الرسول: "وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاكِ نُورٍ" (٢كو ١١ : ١٤). إِنَّ بُشَرَنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاكٌ مِنَ السَّمَاءِ .. سبب شدة وعنف كلام القديس بولس لأنه يواجه أناس مكرة كذابين ملتويين، يتمتعون بكاريزما خاصة فيعجب الناس بأشخاصهم ولا ينتبهون لكلماتهم، بينما الكنيسة تؤكد دائماً على سلامة التعليم قبل شخصية المتكلم، فكم من أناس على درجات عالية من الذكاء واللباقة والكياسة وربما من أصحاب الدرجات الكهنوتية الرفيعة، ورغم ذلك ضلوا الطريق فتاهوا وأتاهوا الآخرين.
فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا .. "أناثيما" Anathema كلمة يونانية تعني الحرم والقطع واللعن، وقد نقلها المترجمون كما هي، وجاءت في ترجمة كتاب الحياة "ملعوناً" فأناثيما تدل على الدينونة والهلاك والانفصال عن الكنيسة وعن الله، ويقول "الأب متى المسكين": "وإن كانت الأناثيما تُترجم بالعربية "حرماً" فهي مأخوذة من العبرانية herm ، وكلمة يحرم تظهر خطورتها في العهد القديم في حروب الله المقدسة، فالذي "يُحرمونه" في الحرب يعني مباشرة أنهم يهلكونه ويُحرقون كل ما له كما حدث لعخان بن كرمي (يش ٧ : ١ : ٢٦) .. يفقد نصيبه في الحياة هنا على أيدي الناس وهناك على يد الله، وهي اللعنة بعينها. فبهذا أناثيما تعني فليكن "ملعوناً" أي يفقد نصيبه في الحياة، وهي عكس يكون مباركاً أي تزداد له الحياة بخيراتها الزمنية والأبدية"(١).
فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا .. في مواجهة بولس الرسول للمعلمين الكذبة يستخدم سلطان الحل والربط كما سلمه الرب يسوع لتلاميذه: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت ١٨ : ١٨) ، ولم يستخدم بولس الرسول هذا السلطان على سبيل الافتخار والكبرياء، ولا التشفي والانتقام، بل من أجل إنقاذ البنيان الذي أقامه بالتعب والدموع من الانهيار، وليس معنى أن إنسان وقع تحت الحزم أن فرصة التوبة قد مرت، لأن باب التوبة مفتوح للإنسان
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٩٥