صفحة 64
تفسير رسالة غلاطية
والقوة؟! .. والحقيقة أنه لا يوجد إنسان منصف يستطيع أن يتهم بولس الرسول بأنه كان يتملق أحد على حساب الحق الإلهي، أو أنه كان يرتضي بالحل الوسط الذي يرضي الناس على حساب المبدأ، أو أنه كان يلعب على حبل خلط السياسة بالدين، لأنه لم يعمل بالسياسة إنما كان صاحب رسالة.
ويقول "الأب متى المسكين": "إن هؤلاء اليهود المتنصرين الغيورين على الناموس والمتمسكين باليهودية وعوائدها يتهمون ق. بولس بأنه جعل الأمم يكرهون الناموس، وأقنعهم بعدم نفع أعمال الناموس والختان، ليس عن حق ولا من الله ولكن بأسلوبه الأدبي الخداع، فهو يبيع الناموس، وينكر فضله لإرضاء نفسه وزعامته .."
وكان هؤلاء اليهود المتنصرون الغيورون على الناموس يتهمون ق. بولس بأنه تجرأ وألغى الناموس وأعمال الختانة لكي يرضي الناس ويسهل الإيمان بالمسيح أمامهم ويجعل الخلاص بالكلام وليس بالعمل .. فيرد ق. بولس: "وَأَمَّا أَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَإِنْ كُنْتُ بَعْدُ أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ، فَلِمَاذَا أُضْطَهَدُ بَعْدُ؟" (غل ٥ : ١١، ١٢)، وطبعاً كان هؤلاء الإخوة الكذبة يرصدون حركات ق. بولس ليصطادوا ما يهاجمونه به، فقد علموا وربما رأوه وهو يختن تيموثاوس .. (أع ١٦ : ١ - ٣). ولكن كان غرض ق. بولس أن يؤهل تيموثاوس للكرازة بين اليهود أولاً حسب فلسفة ق. بولس: "فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٌّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ" (١كو ٩ : ٢٠)(١).
ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم" بلسان بولس الرسول: "واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتني لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي الله لا إنساناً، وإلا كنتُ قد بقيتُ في توافق مع اليهود أضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت، هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حباً في مديح الناس"(٢).
(١) شرح رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ۹۸ - ۱۰۰
(٢) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ۲۳