صفحة 68
تفسير رسالة غلاطية
حَمْرَاء كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ" (إش ١: ١٨) .. والإنجيل هو محور وجوهر كرازة الآباء الرسل جميعاً: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر ١٦: ١٥)، والإنجيل هو كرازة بولس الرسول للعالم أجمع: "وَلَكِنِّي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةً عِنْدِي حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ" (أع ٢٠: ٢٤).
لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ .. هذا الإنجيل ليس من صنع ولا اكتشاف الإنسان، ولا يستطيع عقل بشري أن يصل إلى أعماق الإنجيل وأغواره، أو يكتشف كل حقائقه وبركاته ويقول "الدكتور القس غبريال رزق الله": "ليس ولا قطرة من بحره الذي لا قرار لعمقه، ولا نقطة في محيطه الذي لا حد لاتساعه، ولا شرارة من ناره التي لا رادع للهيبها، ولا قبس من نوره الذي لا نهاية لضيائه، ليس من تفكير إنسان أو اختراع بشر. ومَنْ من الناس، ولو وصل بهم علمهم إلى القمر أو إلى غيره من كواكب الجَلَد، من منهم يستطيع البلوغ إلى حكمة ليست من هذا الدهر؟!" (١).
أَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلَا عَلَّمْتُهُ .. فالمتهودون ادعوا أن بولس تسلم الإنجيل من بطرس الرسول الذي علمه إياه، ولهذا شدَّد بولس الرسول القول بأنه لم يقبل الإنجيل من أي إنسان، ولم يتعلمه من أي إنسان، لا من بطرس الرسول ولا من أي رسول من الآباء الرسل .. سبق بولس وتعلم الناموس والشريعة على يد غمالائيل (أع ٢٢: ٣)، أما الإنجيل فلم يتعلمه من أي إنسان قط.
أَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ .. وهذا العبارة صدى للآية الأولى: "بُولُسُ رَسُولٌ لَا مِنَ النَّاسِ وَلَا بِإِنْسَانٍ" (غل ١: ١)، وأوضح هذه الحقيقة أيضاً لأهل كورنثوس قائلاً: "فَإِنِّي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا" (١كو ١٥: ٣) .. "لأَنِّي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضاً" (١كو ١١: ٢٣) .. لم يكن الإنجيل الذي بشر به بولس الرسول مجرد أخبار لقنها له الآخرون، أو قصة سمعها من الآخرين، فهو لم يتسلم الإنجيل مكتوباً ولا مسموعاً من أحد، بل تسلمه من الله مباشرة.
(١) شرح رسالة غلاطية ص ٦٣