صفحة 70
تفسير رسالة غلاطية
كقول معلمنا بطرس الرسول: "بل نظير الْقُدُّوسِ الذي دَعَاكُمْ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ في كل سِيرَةٍ .. فَسِيرُوا زمان غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (ابط ١: ١٥، ١٧) .. كان بولس الرسول مشهوراً ذائع الصيت، سمعته قد عمت الآفاق، ولاسيما بسبب عنفه الشديد مع أتباع المسيح، حتى إن اسمه كان يثير الرعب في قلوب الكثيرين (أع ٩: ١٣)، وقال هو عن نفسه للملك أغريباس: "فَسِيرَتِي منذ حَدَاثَتِي التي من الْبَدَاءَةِ كانت بين أُمَّتِي في أُورُشَلِيمَ يَعْرِفُهَا جميع الْيَهُودِ" (أع ٢٦: ٤). فقصة إيمان شاول، ذاك الرجل الذي فاضت حياته بالتعصب الأعمى، لم تكن بالأمر الهين، بل تناقلتها الأخبار اليهودية والمسيحية على السواء من مجمع إلى آخر، من كنيسة إلى أخرى، فلا بد أن يهود غلاطية قد سمعوا عنه، وعندما كان هو عندهم غالباً ما حكى لهم عن سيرته الأولى وقصة تحوله العجيب، غير أن المتهودين اتخذوا من نقطة اضطهاده للكنيسة ذريعة لزعزعة الثقة فيه، فقالوا: كيف لنا أن نثق بإنسان سبق له واضطهد الكنيسة بإفراط؟! ثم أنه رسول من الدرجة الثانية، فهو لم يكن من الاثنى عشر رسولاً تلاميذ المسيح.
فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ ..
كلمة "ديانة" تكررت في العددين ١٣، ١٤، وهل اليهودية ديانة والمسيحية ديانة أخرى؟! وكيف يوجد ديانتان نابعان من الله الْوَاحِدِ؟! .. بما أن الله واحد فلا بد أن يكون الدين واحد، فوحدانية الله تفرض وحدانية الدِّيَانَةِ، والحقيقة أن المسيحية هي امتداد لليهودية واستكمال لها، اليهودية هي جذور شجرة المسيحية الْوَارِفَةِ الْمُمْتَدَّةِ فروعها للسماء، ولذلك جُمِعَتِ الأسفار الْعَتِيقَةِ وَالْحَدِيثَةِ في كتاب واحد على نفس الدرجة من القداسة، ودُعِيَتْ جميعها بالكتاب الْمُقَدَّسِ، لا يوجد تَعَارُضَ بين أسفار الْعَهْدِ الْجَدِيدِ وأسفار الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، ولا تَنَاقُضَ بين رجال الْعَهْدِ الْجَدِيدِ ورجال الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، لأن الله واحد، وهو الذي قال: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت ٥: ١٧) .. كان بولس الرسول يريد أن ينقل لنا وجهة النظر اليهودية الْمُتَطَرِّفَةِ، وكان اضطهاد كنيسة الله مرتبط بالتقدم في الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، وكلما كان الإنسان اليهودي مُتَدَيِّناً كلما اضطهد كنيسة الله بإفراط وأَتْلَفَهَا، وكأن الأمران صِنْوَانِ لا يَفْتَرِقَانِ، وكأن الْمَسِيحِيَّةَ عدو لَدُودٌ للْيَهُودِيَّةِ .. هذه هي نظرة اليهود الْمُتَطَرِّفِينَ: "الْيَهُودُ