صفحة 72
تفسير رسالة غلاطية
لماذا تضطهدني
لماذا تضطهدني"، وقول بولس "كَنِيسَةَ اللَّهِ" يُظهر بشاعة خطيته فهو كان يضطهد الله في شكل كنيسته، وهذا ما سمعه من فم ابن الله، وقول "أَتْلَفَهَا" فإن الإتلاف يدخل تحت مظلته الإبادة والتدمير والخراب والدمار كما يدخل الجيش المنتصر المدينة المنهزمة فيتلفها، ويُعلّق "وليم باركلي" على هذا قائلاً: "والكلمة (أتلفها) التي يُعبّر بها عن هذه الحقيقة هي الكلمة التي تُعبّر عن سلب المدينة تماماً. لقد حاول أن يحرث الأرض التي كانت الكنيسة قائمة عليها. أما الآن فقد أصبح الهدف الواحد الذي لأجله كان مستعداً أن يبذل نفسه حتى الموت، هو أن تنتشر الكنيسة في كل بقاع العالم. وكل مجهود يجب أن يكون له سبب مناسب، فعندما يندفع الإنسان بكل قوته في اتجاه، ثم يتحوّل فجأة ويندفع في الاتجاه المضاد تماماً، وعندما تتغيّر القيم في حياة أي إنسان، فتنقلب رأساً على عقب، فيجب أن يكون هناك تفسير مناسب لذلك. وكان التفسير بالنسبة لبولس الرسول هو تدخل الله المباشر. لقد استقرت يد الله على كتف بولس الرسول وكأنه ألقى القبض عليه وهو في أوج نشاطه هذا "(۱).
ويقول "الأب متى المسكين": "القديس بولس لم يذكر هنا مفردات مغامراته المريعة التي روّع بها المسيحيين في كل أورشليم وما حواليها حتى أفرغ أورشليم كلها من المسيحيين. ولما وجد أن حقده لم يسترح، أخذ يتعقبهم في البلاد البعيدة، فشدّ الرحال متجهاً نحو دمشق، ولكنه اكتفى بتصوير الاضطهاد أنه بإفراط .. أي أكثر من الحدود المعقولة أو أكثر من كل قياس. ولم يكتف بالإفراط في الاضطهاد ولكنه أضاف النية الداخلية في هذه العملية الخطيرة، وهي إتلاف الكنيسة، والإتلاف هنا .. يعني به أن يفرغ الكنيسة ممن فيها "(۲). كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللَّهِ بِإِفْرَاطٍ وَأَتْلَفَهَا .. إنها ذكريات مؤلمة للغاية يتذكرها بولس الرسول بأسى بالغ وألم شديد وخجل كبير، ودماء الأبرياء تتناثر أمام عينيه، ولولا أن الرب مدّ يده وشفى بولس من جراحات نفسه ومن تلك الذكريات الأليمة لحطمته تحطيماً. فلماذا يعيد بولس الرسول ذكرها مراراً وتكراراً؟! .. إنها الدليل العملي الذي يقدمه للغلاطيين وغيرهم على صحة الإنجيل الذي بشر به، وأن هذا الإنجيل سماوياً ولم يتسلمه بيد بشرية، فكونه
(۱) تفسير العهد الجديد - رسالتنا غلاطية وأفسس ص ۲۷
(۲) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ۱۰۸، ۱۰۹