صفحة 73
— ٧٣ —
الأصحاح الأول
ينتقل من الشيء، إلى نقيضه بصورة صارخة مفاجئة معجزية بدون سابق إنذار وبدون مقدمات، فلا بد أن وراء هذا أمراً عظيماً، وفعلاً كان هذا الأمر العظيم هو استعلان ابن الله له ونوره أشد بهاءً من نور الشمس، فهذا هو الدليل الأول الذي يقدمه بولس الرسول على صحة إنجيله، وأرفق به الدليل الثاني وهو مع أنه كان يعيش يهودياً فريسياً متزمتاً متعصباً غيوراً على دينه وتقاليدات آبائه، فإذ به ينادي بإنجيل خلا تماماً من هذه النظرة المتطرفة، بل تصل به الجرأة إلى قوله: "هَا أَنَا بُولُسُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لَا يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا" (غل ٥: ٢).
ويقول "ماكدويل": "فقد كان بولس، سواء بالولادة أو بالتدريب، متعقباً في الديانة اليهودية. وباختباره الشخصي أصبح مضطهداً كبيراً للكنيسة. وقد تخطى كثير من أبناء جيله اليهود إذ كان أوفر غيرة في تقليدات الآباء. لذلك فإن إنجيل الخلاص الذي ينادي به بمعزل عن الناموس لا يمكن أن نعزوه لجهل منه بالناموس. لماذا إذا أسقطه من رسالته؟ لماذا تتناقض إنجيله مع خلفيته وميوله الطبيعية وكامل تربيته الدينية؟ السبب البسيط هو أن الإنجيل لم يكن من إنتاجه الفكري بل أُعطي له مباشرة من عند الله (۱). ثم يقدم بولس الرسول دليلاً ثالثاً على صحة إنجيله وهو قبول الآباء الرسل له وإعطائه يمين الشركة، موقنين أن الله قد ائتمنه على إنجيل الغرلة للأمم، كما ائتمن بطرس على إنجيل الختان لليهود.
وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي .. أَتْرَابِ الْإِنْسَانِ
من هم في جيله وفي سنه، وربما قصد بولس الرسول رفقائه في مدرسة غمالائيل، و "في جنسي" أي في بني إسرائيل، وهذا يعكس مدى بغض اليهود ولا سيما الشباب منهم للمسيحيين، لقد كان هؤلاء الشباب يحقدون على المسيحية التي اجتذبت الآلاف من اليهود، فمنذ اليوم الأول لولادة المسيحية اجتذبت ثلاثة آلاف جميعهم من اليهود، وشيئاً فشيئاً اجتذبت أعداد أخرى وأخرى وكثير من الكهنة اليهود انضموا إليها، وهذا يفسر حقد الشباب اليهودي على أتباع المسيح، ولكن شاول الطرسوسي فاقهم جميعاً في اضطهاده لكنيسة الله، حتى كاد أن يفرغ أورشليم منهم.
(۱) الرِّسَالَةُ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَةَ ص ٩٧٣