صفحة 75
الأصحاح الأول
"الموسوعة الكنسية": "كن مستعداً لسماع الرأي الآخر، فيرشدك الله مهما كان انحرافك وتعود للحق، لا تهمل رأي غيرك أو تقاطعه، بل صل أثناء سماعك له فتتعلم من كل أحد وتزداد حكمة من الله يوماً فيوم" (١).
كُنْتَ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي .. كلمة "تَقْلِيدَات" في الأصل اليوناني تحمل معنى التسليم والتسلم، وتعبّر عن التعاليم التي يتسلمها الإنسان شفاهة من السلف للخلف، ومن جيل إلى جيل. غير أن هذه التقليدات قد أضاف إليها الفريسيون من عنْدِيَاتهم الكثير والكثير حتى حمّلوا الناس أثقالاً عثرة الحمل، وقد حفظوا هذه التقليدات في التلمود، وقالوا أن موسى يوم أن تسلم الوصايا المكتوبة من الله تسلم معها وصايا شفاهية حفظها التقليد، وجعل الفريسيون من هذه التقليدات الكثيرة سوراً دفاعياً عن التوراة، وجاء في مقدمة هذه التقليدات "المشنا" ثم المجموعة الثانوية المتأخرة وهي "الجمار"، ومن "المشنا" و"الجمار" تكون التلمود اليهودي، وقالوا: "إن الكتب المقدسة هي الماء، والمشنا هي النبيذ، ولكن الجمار هي نبيذ ممزوج" (٢).
وبموجب هذه التقليدات أدان الكتبة والفريسيون الرب يسوع، وهو رد عليهم، فقال: "لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلامِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَما يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ أَيْضاً، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ (مت ١٥: ٢، ٣) .. "لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ" (مر ٧: ٨).
كُنْتَ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي .. كان بولس الرسول فريسي بن فريسي يجل ويقدر ويحترم تقليدات آبائه الفريسيين، وعندما وقف يُحاكم، وإذ لمح أن بعضهم فريسيين والآخرين صدوقيين، صرخ قائلاً: "أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ" (أع ٢٣: ٦) .. فمن كان يستطيع أن ينزع شاول من فريسيته هذه إلا الله القادر على كل شيء، ويقول "الأب متى المسكين": "لم يكن أحد كان من كان بقادر أن يقنعه بالمسيحية أو الإيمان بالمسيح فهو فريسي دارس ومتعصب، ولغير تقاليد آبائه يستحيل أن يميل أو ينحاز! إذاً فلا بد أن تكون قوة إلهية فائقة على التوراة والناموس والعوائد والتقاليد الآبائية كلها - قوة
(١) الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد جـ ٤ ص ٢٣٥
(٢) ر. ألان كول - ترجمة ألفي فاضل - التفسير الحديث للكتاب المقدس - الرسالة إلى غلاطية ص ٤٧