انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com

٧٦

تفسير رسالة غلاطية

الحق الإلهي - هي التي اختطفته من يهوديته خطفاً "كَشُعْلَةٍ مُنْتَشَلَةٍ مِنَ النَّارِ" (زك ٣: ٢) وألغت كل ما كان له ربحاً من وراء فريسيته وجعلت مكاسب العالم والدراسة والفقه اليهودي عنده خسارة في خسارة بجوار نور الإيمان الطاغي ووجه المسيح المضيء في السماء الذي ملأ فكره وقلبه وروحه(١).

ويُعلّق "الخوري بولس الغالي" على غيرة بولس الرسول قائلاً: "فما فعله غيرة من أجل الله (في ٣: ٦ ، راجع رو ١٠: ٢). نحن أمام حمية محرقة تتغذى من التأمل في الوصية الأولى: "أَنَا إِلَهُ غَيُورٌ" (خر ٢٠: ٥، تث ٤: ٢٤ ، وراجع ٢كو ١١: ٢). إذا أراد مؤمنو العهد القديم أن يخدموا الله الواحد، كانوا يزيلون كل ما يمس قداسة الله وكرامته. ذاك كان موقف فينحاس أمام البغاء المكرّس الذي مارسه بنو إسرائيل في بعل فغور (عد ٢٥: ١ - ١٨). ذاك كان انتقام إيليا من أنبياء بعل الكذبة لأنهم أبعدوا الشعب عن الإله الحقيقي (١مل ١٨: ٤٠ ، سي ٤٨: ٢). والغيورون الذين كانوا أكثر المتحمسين بين الفريسيين. ما كانوا يترددون في بداية المسيحية، بل كانوا يقتلون كل من ينجس أرض إسرائيل ويؤخر ساعة الخلاص. هل كان شاول الشاب (أو: بولس) منهم؟ الأمر معقول. لم يكتفِ بولس باضطهاد الكنيسة، بل فاق جميع معاصرين غيرة وحماساً. وهذا ما يبرز الطابع العجائبي لانتقاله من العالم اليهودي إلى العالم المسيحي. وتقاليد الآباء التي يتحدث عنها، ليست التعاليم التي نجدها في الكتب المقدسة، بل الشروح التي زيدت على شرائع دافع عنها الفريسيون(٢).

"وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللَّهُ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ، أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْماً وَدَماً وَلا صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضاً إِلَى دِمَشْقَ" (غل ١: ١٥ - ١٧).

وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللَّهُ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي .. وَلَكِنْ" للاستدراك، فبولس كان يضطهد الكنيسة بإفراط ويتلفها، فهو مستحق للعقوبة، ولكن الله كان له رأي آخر في

(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١١٠
(٢) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ٧٠، ٧١