صفحة 82
٨٢
تفسير رسالة غلاطية
والذين سبقوه إلى الإيمان، فكنيسة أورشليم هي أم جميع الكنائس، التي أوصى الرب يسوع بالتبشير فيها أولاً ثم اليهودية فالسامرة وإلى أقاصي الأرض (أع ١ : ٨)، وبالرغم من نزوح المسيحيين من المدينة بسبب الاضطهادات الرهيبة التي تعرضوا لها، لكن الآباء الرسل الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم لم يتركوا المدينة المقدسة، فهذه المدينة موضع النبوات: "وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَيَقُولُونَ: هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلَهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمُنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكُ فِي سُبُلِهِ. لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ" (إش ٢ : ٣)، وكان من الطبيعي أن يسرع شاول إلى أورشليم مدينة الهيكل العظيم ومركز اليهودية لكيما يبشر بني جنسه، هذا اتجاه، واتجاه آخر لكيما تشهد المدينة المقدسة التي شهدت اضطهاداته كرازته أيضاً، ولكنه لم يفعل هذا.
ولا صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ .. لم يكن هذا تعظم وكبرياء من بولس الرسول، فهو يعرف جيداً ما جاء في سفر الأمثال: "أَرَأَيْتَ رَجُلاً حَكِيماً فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ؟ الرَّجَاءُ بِالْجَاهِلِ أَكْثَرُ مِنَ الرَّجَاءِ بِهِ" (أم ٢٦ : ١٢) وما جاء في سفر إشعياء: "وَيْلٌ لِلْحُكَمَاءِ فِي أَعْيُنِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْفُهَمَاءِ عِنْدَ ذَوَاتِهِمْ" (إش ٥ : ٢١)، وهو الذي أوصى أهل رومية: "لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ" (رو ١٢ : ١٦) .. إذاً لماذا لم يصعد إلى أورشليم؟ .. لأنه كان منقاداً بالروح القدس إلى حياة الخلوة بالبرية.
بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ .. ليست العربية هي الجزيرة العربية، لكنها صحراء العربية التي تقع جنوب دمشق أو اليهودية، وتمتد إلى جبل حوريب (راجع د. وليم آدي - الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ ٧ ص ٥٠)، ومنطقة العربية بعيدة عن أي مصدر للتعليم البشري، بل أن بولس الرسول بعدما عاين أمجاد ابن الله لم يكن محتاجاً لنصيحة أحد، إنما كان في حاجة إلى الهدوء والسكينة والاختلاء بنفسه، وفي هذه الخلوة تلقى تعليمه وإرشاده من الروح القدس بطريقة فريدة، وفكت أمامه الختوم فأدرك أسرار النبوات والرموز المخبأة في طيات الأسفار المقدسة .. وربما لو لم ينطلق بولس الرسول إلى العربية وصعد إلى أورشليم ربما تعرّض للاغتيال بيد أحد أترابه المتعصبين.
بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ .. "عندما تجدّد بولس، كانت لديه رغبة ملحة ليكون وحده مع الله. لم يكن بحاجة إلى المشورة ومساعدة البشر: كان بحاجة لحضور ومساعدة الله وروحه."