صفحة 86
تفسير رسالة غلاطية
ويُسر وانسجام تام، فالمسيح يجمع في أحضانه العالم والبسيط، الغني والفقير، وفي ملكوته سيجتمعون من كل أمة وكل لسان وكل لون وكل جنس.
لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ .. هل بولس لم يكن يعرف بطرس؟ ..
لا بد أن بولس الذي عاش في أورشليم سمع عن بطرس، وربما استمع لعظته الشهيرة يوم الخمسين، وقد يكون عاين معجزة شفاء الأعرج من بطن أمه، وربما رأى بطرس ويوحنا عندما قبضت عليهما القيادات اليهودية.. لقد اشتاق بولس أن يتعرّف على بطرس عن قُرب، ولذلك بعد أن هرب من دمشق ناجياً من موت محقق قصد أورشليم ليلتقي ببطرس، ويسعد بلقائه ويستمع لكلمات النعمة البسيطة الخارجة من فيه، ويراه فرعاً ثابتاً في شجرة الحياة التي تحمله هو أيضاً، وبلا شك أن قبول بطرس والرسل له سيسهل له طريق الكرازة في مجامع اليهود، ويقول "صموئيل مايكوكسكي": "الزيارة الأولى تلك قد تكون زيارة حاسمة جداً في خدمة الرسولية فيما هو حاول أن ينال تأييد الرسل" (١).
لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ .. هل أراد بولس الرسول أن يستشير بطرس في بعض الأمور الإيمانية ؟ ..
كلا .. هل أراد أن يتتلمذ على يدي بطرس؟ .. كلا .. هل أراد أن يتعلم منه أسس الإيمان المستقيم؟ .. كلا .. فعندما ذهب بولس للقاء بطرس لم يكن هذا عقب إيمانه مباشرة، إنما مرّ ثلاث سنوات تأسس فيها بولس في الإيمان، فكان في ملء الثقة من إيمانه وتعليمه الذي استمده من الرب يسوع رأساً.
لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ .. تُرى كيف كان لقاء بولس، الذي سبق واضطهد الكنيسة بإفراط وأتلفها مع بطرس الرسول الذي سبق وأنكر سيده وجدف على الاسم الحسن؟! ..
تُرى هل بطرس التمس العذر لبولس؟! .. ربما هذا الذي سهل اللقاء بين هذين العملاقين، أن كل منهما حمل قدراً عظيماً من التواضع، فلا بد أن كل منهما نظر لأخيه نظرة حب واعتزاز وتقدير .. تُرى في لقائهما الأول هذا، هل كانا يدركان أن خاتمة حياتهما ستكون في روما وفي يوم واحد؟! .. لم يكشف لنا الكتاب عن حميمية هذا اللقاء، لكن لا بد أن كل منهما شعر أنه عضو في ذات الجسد الواحد، وأن كليهما يكمل الآخر .. فأي اتفاق، وأي انسجام حدث بين هذين العملاقين؟! .. وأي سيمفونية عُزفت بينهما؟! .. مرت الأيام وفرقت كحلم
(١) منشورات النفير - تفسير الكتاب المقدس جـ ٦ ص ٢١٤