صفحة 87
— ۸۷ —
الأصحاح الأول
جميل رائع استضافت فيه الكنيسة الأم أبنهـا كاروز الأمم، ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "أي اتضاع هذا؟!.. فرغم عدم حاجة بولس إلى بطرس، ورغم مساواتهما كرسولين، وبعد هذا النجاح العظيم، يأتي إليه كأكبر ومتقدم، ولقد كان الهدف الوحيد هو زيارة بطرس، وهكذا يقدر بولس إخوته ولا يحسب نفسه أفضل منهم، لم يكن بولس في حاجة إلى تعاليم أو تصحيحات بل حضر تكريماً لبطرس ورغبته في التعرف عليه (١)".
كما يقول "يوحنا ذهبي الفم" أيضاً: "لقد قام الرسول بهذه الرحلة خصيصاً ليرى بطرس، وها هو لم ير غيره سوى يعقوب، مما يؤكد محبة الرسول لبطرس ويوضح أن مقاومته إياه لم تكن بدافع العداوة والامتهان، ولنلاحظ أنه قال (لم أر) ليؤكد الزيارة لمجرد رؤياهم وليست لتلقي التعاليم منهم، ولقد قرن اسم يعقوب بلقبه فلقد كان ممكناً أنه يدعوه يعقوب بن كلويا كما فعل البشير ولكنه دعاه "أخا الرب" بمحبة وتوقير شديد (٢)".
فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً .. مدة قصيرة، وربما كان بولس يخطط لقضاء فترة أطول في أورشليم، ولكن الله كان له رأي آخر، وبينما يقضي بولس أيام رائعة في أحضان الكنيسة الأم ويكرز ويبشر ويعلم ويتباحث ويجادل أعلن اليونانيون أي اليهود من أصل يوناني غضبتهم عليه فخططوا لقتله (أع ٩: ٢٩، ٣٠) وأيضاً تلقى أمراً مباشراً من السيد المسيح بترك أورشليم ليذهب ويكرز للأمم (أع ٢٢: ١٧ – ٢١)، فأطاع بولس وترك أورشليم المدينة المحبوبة.
لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ .. لقد هجر كثير من المسيحيين أورشليم بسبب شدة الاضطهاد وتشتتوا، والأمر العجيب أنهم في الطرق التي تشتتوا فيها جابوا مبشرين بالكلمة (أع ٨: ٤) فنشروا نور الإيمان في ربوع اليهودية والسامرة، أما الرسل فأصروا على البقاء في أورشليم، وأحياناً كانوا يتركونها لافتقاد المؤمنين الجدد في تلك البلدان، ولهذا لم ير بولس من الرسل غير بطرس ويعقوب، حتى أنه لم ير يوحنا الحبيب في هذه الزيارة، وفي حديثه مع يعقوب علم منه أن الرب قد ظهر له بعد القيامة فسجل هذه
الحقيقة: "وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ" (۱كو ٧:١٥).
(١) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ١٨
(٢) المرجع السابق ص ١٨، ١٩