صفحة 89
— ٨٩ —
الأصحاح الأول
طبرية: "هُوَ الرَّبُّ" (يو ٢١: ٧)، بل "وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التَّلَامِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ مَنْ أَنْتَ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ" (يو ٢١: ١٢).
وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ إِلَيْكُمْ هُوَذَا قُدَّامَ اللَّهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ .. لماذا اضطر بولس الرسول أن يؤكد صدقه .. هل شكك أحد في أقواله؟ .. نعم، لقد أشاع الإخوة الكذبة في غلاطية أن بولس الرسول أمضى وقتاً طويلاً في أورشليم يتعلم من الرسل ولا سيما بطرس، ولذلك أكد بولس الرسول أنه لم يبق في أورشليم سوى خمسة عشر يوماً وهي غير كافية لتصنع رجلاً في قامة بولس الرسول، وأيضاً أكد بولس الرسول أن ما يقوله هو الصدق بعينه، والله شاهد على كلامه، فهذا بولس الرسول يستخدم كل وسيلة مقدسة ليقنع الغلاطيين بصدق الإنجيل الذي بشرهم به لكي لا يتشكك أحد من الذين بشرهم ويقع في الشك والريبة في إيمانه.
وقول بولس الرسول "قُدَّامَ اللَّهِ" لا يُعد قسماً من الأقسام، ولا يُعد مخالفة لوصية المسيح "لَا تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ .. لِيَكُنْ كَلَامُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لَا لَا. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الشَّرِّ" (مت ٥: ٣٤، ٣٧)، فبولس لم يقسم بالذات الإلهية ولا بالسماء ولا بالأرض، إنما وضع نفسه في الحضرة الإلهية، كما كان إيليا النبي الذي كان شعاره: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ" (١مل ١٧: ١)، وإنما جعل بولس الرسول الله تبارك اسمه شاهداً على أقواله، كقوله لأهل رومية: "أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لَا أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو ٩: ١)، وقال لأهل كورنثوس: "اللَّهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الْأَبَدِ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ" (٢كو ١١: ٣١)، ويقول "الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الْفَمِ": "وهكذا يتحدث الرسول باتضاع شديد كمتهم في محكمة العدالة، وكشخص مطلوب منه أن يجيب عن حياته "(١)".
"وَبَعْدَ ذَلِكَ جِئْتُ إِلَى أَقَالِيمِ سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ" (غل ١: ٢١) .. لم يمض بولس الرسول في أورشليم أكثر من أسبوعين حتى هاج عليه اليهود الذين من أصل يوناني بسبب مباحثاته معهم وإفحامهم، وعندما يقف العقل عاجزاً يتحرك السلاح، فحاولوا الفتك به: "فَلَمَّا"
(١) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ١٩