صفحة 90
تفسير رسالة غلاطية
عَلِمَ الإِخْوَةُ أَخَذُوهُ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ وَأَرْسَلُوهُ إِلَى طَرْسُوسَ" (أع ٩ : ٣٠)، فعاد بولس الرسول إلى مسقط رأسه وموطنه ومحل إقامة عائلته وأصدقائه في طرسوس، فالتقى بأصدقاء الطفولة والشباب الذين طالما شهدوا غيرته الجامحة على الديانة اليهودية، وبالتأكيد أنه لم يخفِ إيمانه بالمسيح عنهم، بل صار يكرز بينهم بالحياة الأبدية، وهو لا يعبأ سواء بسخريتهم منه وهزئتهم به ولا بغضبهم وانتقامهم الذي قد يصل إلى حد قتله .. لقد رأى بولس واجباً عليه أن يخبر بعمل الله العجيب معه داخل بيته ومدينته: "اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ" (مر ٥ : ١٩).
وتعتبر طرسوس عاصمة كيليكية، فقال بولس الرسول: "أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ طَرْسُوسِيٌّ، مِنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ غَيْرِ دَنِيَّةٍ مِنْ كِيلِيكِيَّةَ" (أع ٢١ : ٣٩)، وتقع كيليكية في الجزء الجنوبي الشرقي من آسيا الصغرى، وهي ولاية رومانية، وقد منح الإمبراطور "أغسطس قيصر" ست مدن من مدن كيليكية الرعوية الرومانية، ومن هذه المدن طرسوس التي ولد فيها بولس الرسول متمتعاً بحق هذه الرعوية، وعندما كان بولس في طرسوس أرسلت كنيسة أورشليم برنابا إلى أنطاكية (أع ١١ : ٢٢) وأنطاكية قريبة من كيليكية: "ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ. فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعاً غَفِيرًا" (أع ١١ : ٢٥، ٢٦)، وسورية هي بلاد آرام التي خضعت لداود الملك والتي حكمها السلوقيون بعد موت الإسكندر الأكبر، والتي سيطر عليها الرومان سنة ٦٤ ق. م، وكل من سورية وكيليكية انضما معاً كإقليم روماني واحد سنة ٢٥م، ودُعي إقليم سوريا كيليكية
وفي أنطاكية دعا الروح القدس برنابا وشاول للخدمة التي دعاهما إليها، وسورية وكيليكية مناطق بعيدة عن أورشليم حتى لا يُدَّعَى أحد أنه كان يخدم تحت إشراف الرسل، فتبشير بولس في سورية وكيليكية يوضح أنه لم يكن يخدم في منطقة تابعة لإشراف الآباء الرسل. وفي الرحلة التبشيرية الثانية ذهب بولس الرسول أيضاً ومعه سيلا: "فَاجْتَازَ فِي سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ يُشَدِّدُ الْكَنَائِسَ" (أع ١٥ : ٤١).