صفحة 113
الإصحاح 4 · رسالة رومية
مثل هذه الاتجاهات الخاطئة يمكن أن تأخذ صورة ناموسية تبلور ذلك الاتجاه فى شكل تعدٍّ واقعى أو خرق للناموس . ويحدد الناموس عقاباً مناسباً لكل حالة من هذه التعديات ، وهذا هو ما يوضحه مبدأ الجزاء الذى لا ينفصل عن مفهوم الناموس . ولم يكن الناموس فى حاجة إلى تعيين مكافآت أو أجر للذين يحفظونه ، إلا أنه كان فى حاجة ماسة إلى أن يضع الجزاءات التي تكون من نصيب الذين يتعدون على الناموس . وعلى هذا فإن وعد النعمة الذي أعطاه الله لإبراهيم ينتمى إلى عالم آخر غير عالم الناموس .
وعلى هذا فإن تبرير إبراهيم وما استتبعه من بركات كان قائماً على أساس إيمانه بالله ، ولم يحصل عليه بالاستحقاق أو نتيجة جهوده الشخصية ( كما كان يجب أن يكون عليه الأمر لو كان مؤسساً على شرط حفظه للناموس ) . وإنما أفاضه عليه الله بنعمته . ولقد امتد هذا المبدأ الذي تعامل الله على أساسه مع إبراهيم ، امتد ليشمل نسله ـ وليس طبعاً نسله الطبيعى ، فإن هؤلاء كان حقاً أن يصبحوا خاضعين لمتطلبات الناموس ، بل نسله الروحى ، وهم أولئك الذين يتبعون مثال إبراهيم : وهذا ـ كما يقول بولس ـ هو ما قصده الله عند ما أعطاه اسم إبراهيم بديلاً عن أبرام ، كما كان يدعى سابقاً ، وقال له : « لقد جعلتك أباً لجمهور من الأمم ؛ وهؤلاء يتضمنون اليهود والأمم على السواء ، الذين يؤمنون بالله ، ومن هنا صار إبراهيم أباً لكل المؤمنين .
وهنا يجب علينا أن نتأمل أيضاً فى طبيعة إيمان إبراهيم . إنه الإيمان الذي يقيم الموتى ويعيدهم إلى الحياة ، ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة حقيقة ، ويعطيها بعمله هذا وجوداً حقيقياً . وعندما قال الله لإبراهيم إن نسله سيكون مثل النجوم فى الكثرة ، كان إبراهيم فى ذلك الوقت ما يزال عقيماً وبلا نسل . والأكثر من ذلك كان قد تقدم فى السن إلى الدرجة التي ينقطع فيها رجاء الإنسان فى أن يكون أباً ، كما كانت سارة أيضاً متقدّمة في أيامها وانقطع حبل رجائها فى أن تكون أماً . ومع ذلك فإن إبراهيم لم يغلق عينيه عن تلك الظروف غير المناسبة ، بل إنها كانت موضع تأمله العميق . لكنه عندما وضع فى مقابلها وعد الله ، فإنه تأكد من قدرة الله وإرادته في تحقيق وعده ، وأصبح على يقين تام بإزائها . وحيث لم يكن له أى سند في هذا الأمر سوى الكلمة المجردة لله . فإنه جعل منها عماده واتكاله فى مواجهة الدلائل المضادة التي كانت تحاصره وتضغط عليه من كل اتجاه . وفى الحقيقة لقد تقوّى إيمانه
۱۱۳