صفحة 39
coptic-books.blogspot.com
إليها نظامه الفكرى ما لبث أن أخذت تتجمع وفق أسلوب مختلف تماما ، وحول مركز جديد . هو يسوع المصلوب والمقام . ومن ثم أصبحت الحياة بالنسبة لبولس هى المسيح . ولكن ماذا عن الحاجة القديمة ، وهى أن المصلوب قد مات تحت اللعنة الإلهية ؟
هل ما تزال هذه المقولة سارية صحيحة ؟ إنها ما تزال لها شرعيتها وصحتها ، إلا أنها الآن صار لها معنى جديداً . ذلك أن الله قد قلب تلك اللعنة بإقامته يسوع من بين الأموات . ولكن لماذا كان يجب أصلاً أن يتحمل يسوع تلك اللعنة الإلهية ؟ لقد كان على بولس الآن وليس فى ما بعد أن يصل إلى هذا الاستنتاج الذى أعلنه فى غلاطية ٣ : ١٠ – ١٣ ، أن يسوع خضع لموت الصليب لكى يأخذ على عاتقه هو نفسه اللعنة التى أعلنها الناموس على كل الذين فشلوا فى حفظ الناموس كاملا ( تث ٢٧ : ٢٦ ) . ولقد كانت صيغة هذه المحاجة هى بذاتها الصيغة التى ألفها بولس تماما فى المدارس الرابينية ، إلا أن أحداً من الربيين لم يصغ على الإطلاق جوهر تلك المحاجة الجسورة فى كلمات أن المسيا يتحتم عليه أن يحمل هو على عاتقه طوعا اللعنة التى تنصب على الذين يكسرون ناموس الله من أجل تحريرهم من تلك اللعنة .
ولكن عن هذا الطريق فإن عقيدة المسيا المصلوب ، والتى كانت يوما حجر عثرة لبولس أصبحت الآن حجر الزاوية لإيمانه وكرازته ( انظر رو ٩ : ٣٢ وما بعده ) .
ونحن لا نستطيع أن نقول متى تبلورت هذه العقيدة فى هذا الشكل الجديد فى عقل بولس(١) ؟ ولربما ساعده فى الوصول إلى هذا التفسير فى مرحلة مبكرة هذه الصورة التى رسمها إشعياء للعبد المتألم ( إش ٥٣ : ١٠ – ١٢ ) ، ذلك العبد الذى أسلم ذاته كذبيحة إثم من أجل الآخرين ، والذى حمل خطية الكثيرين ، وبذلك حصل لهم على البر . ولكن ليس فى مقدورنا
(١) وقد أصاب ( ج . ويسى ) إذ فكر فى فترة نشاط بولس فى سوريا وكيليكيا ( غل ١ : ٢١ ) قبل ذهابه إلى أنطاكية ( أع ١١ : ٢٦ ) أن تكون هذه فترة التكوين المشار إليها فيقول ( لا يمكن الإصرار على أن تطور بولس الحقيقى كمسيحى وكلاهوتى قد اكتمل فى خلال هذه الفترة – وهى فترة غامضة بالنسبة لنا – على أن الرسائل التى نحن بصددها تتعلق بالرجل الكامل النضج – وأن التطور – الذى يعتقد البعض أنه يمكن تمييزه فى فترة كتابة الرسائل – وهى على الأكثر عشر سنوات لا تستحق الذكر على الإطلاق . وهذا القول الأخير هو حكم شديد التسرع إلا أنه يصلح كعلاج ناجح للتخمينات الزائدة حول تطور بولس الداخلى .
٣٩
christian-lib.com