انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

رسالة رومية

coptic-books.blogspot.com

ويتخيل بولس شخصاً يتدخل بتعبيرات مثل هذه ، ومن ثم يتوجه بالخطاب إلى هذا المعترض الذى يتخيله قائلاً : سيدى الصالح إنك بالدينونة التي تدين بها الآخرين إنما تدين نفسك ، وأيا كنت أنت ، فإنك من حيث المبدأ تفعل نفس الأمور التي تدينها فيهم ، والآن كم كانت مثل هذه الإجابة مناسبة وتتلاءم مع فكر رجل مثل سينكا ! فقد كان فى إمكانه أن يكتب بصورة عظيمة التأثير عن الحياة الصالحة لدرجة أن الكتاب المسيحيين فى الأيام المتأخرة مالوا إلى القول : ( سينكا الخاص بنا )(۱) فهو لم يمجد الفضائل الأخلاقية الرفيعة ، بل ندد بالرياء وبشر بالمساواة بين جميع البشر ، وكان مدركاً بالطبيعة المنحرفة الضالة للشر ( كل الرذائل توجد فى كل إنسان ، وإن كانت كل الرذائل لا تبرز بجلاء فى كل إنسان ) . وقد مارس سينكا امتحان ذاته يومياً بحيث أصبحت طبيعة فيه ، ساخراً من عبادة الأوثان الفاجرة ، متخذا فى ذلك دور المرشد الأخلاقى المتمسك فى حياته بمبادىء الفضيلة والأخلاق عند البشر بحيث يمكن اعتباره المعلم الأخلاقى الفاضل فى مجتمع يموج بالشر ، ولكن فى كثير من الأحيان كان سينكا يحتمل فى نفسه ، رذائل لا تختلف كثيراً عن تلك التي يدينها فى الآخرين — وأفدحها مثلاً تستره على قتل الإمبراطور نيرون لأمه ( أجريبينا ) .

وأياً كان الأمر ، فإنه حتى فى هذا القسم من الأصحاح الثانى ، وبصورة أكثر وضوحاً فى الآيات من ١٧ فصاعداً ، نرى بولس يفكر كناقد يهودى أن مثل هذا الشجب لعبادة الأصنام ، والذى نجده فى الأصحاح الأول ، كان الشكل العام للدعاية اليهودية بحيث وجد المتدينون اليهود المجال فسيحاً أمامهم لإدانة أخلاقيات العالم الوثنى المحيط بهم .

ويتجلى الاتجاه النقدى اليهودى الذى يحتمل فى ذهن بولس ، بصورة أكثر وضوحاً من تكرار عبارة ( اليهودى أولاً ثم اليونانى ) ( انظر ٢ : ٩ و ١٠ ) ، وفيها يؤكد أن اليهود هم أول من ستقع عليهم دينونة الله حيث أنهم كانوا أول من وصلت إليهم الأخبار السارة عن نعمته المخلصة ( ١ : ١٦ ) . إن هذه الأولوية الثنائية لشعب إسرائيل فى الخلاص والدينونة على حد سواء ، هى التى علم بها الأنبياء فى الأيام القديمة ، لثمانية قرون خلت سابقة لكتابة


(۱) ويقول ( ترتوليان ) كان سينكا فى أحوال كثيرة واحداً منها .

۸۸

christian-lib.com