صفحة 109
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
١٦١
تفسير رسالة بطرس الأولى
هنا (لا ١١، ٤٤؛ ١٩، ٢) «يطلب معاشرته، إذ هي التي تخلّص، لهذا إن كنا الآن حقيقة قديسين بواسطة المسيح فنحن في الحياة الحق» (Cramer). وهكذا يبرز لنا، بشكل صحيح، البعد الأخلاقي للقداسة، التي كانت، في العهد القديم، مترابطة بالبعد الديني – العبادي الخالص.
يبدو أنَّ المعنى الأصلي لعبارة قديس ἅγιος (بالعبرية qadosch) هو المفروز للعبادة، أكثر من أي معنى آخر لاحق، الطاهر طقسيًّا، المتطلب السجود له¹⁵⁵. فالقداسة إذا مرتبطة بعبادة الله: النصوص العبادية الممتلئة بين الأصحاح ٢٥ من سفر الخروج حتى الإصحاح ١٠ من سفر العدد ومقاطع أخر عديدة (مثلاً حز ٤٠-٤٨) مليئة بذكر أماكن وأوقات مقدسة، وأدوات وأشخاص مرتبطين بعبادة يهوه. ليست الأدوات، بالطبع، هي المقدسة، بل إرتباطها بالحضور الإلهي هو الذي جعلها مقدسة. هكذا فالأرض التي عاين فيها موسى العليقى الملتهبة هي مقدسة (خر ٣، ٥)، وكذلك لباس رئيس الكهنة (خر ٢٨، ٢ وما يليها)، والهيكل (مز ٥، ٨). تعبر القداسة، في الأساس، عن تعالي الله، «عما يملكه الله من خصوصية» (Spicq). وهذه الأقوال النبوية معبّرة هنا: «أنا الله لا إنسان، وفيك قديس فلا أدخل المدينة» (هو ١١، ٩. أنظر أيضًا أش ٥، ١٦؛ ٦، ٣). كل ما أو من يرتبط بالله لابد له، تاليًا، من أن يتحلى بالطهارة اللازمة، ليدنو من الله القديس المتعالي. ولهذا الغرض وُضعت مجموعة من الأوامر، تحدد عبرها الطريقة والشروط المسبقة التي يجب التقيد بها لبلوغ الطهارة الطقسية اللازمة، والتي تسمح بالعبور من المكان العام الدنس، إلى المكان الذي فرزه الله لملاقاة البشر. وتقدم لنا ما سُمِّيَت «بشرعة القداسة» (لاو ١٧-٢٦) صورة معبّرة جدًّا عن مفهوم القداسة هذا¹⁵⁶.
ولكننا نصادف في «شرعة القداسة» توسيعًا لمعنى القداسة يشمل شعب الله، بمقدار ما يحفظ هذا الأخير أوامر الله: «فتقدسوا وكونوا قديسين لأني أنا الرب إلهكم، واحفظوا رسومي وأعملوا بها، أنا الرب مقدسكم» (لا ٢٠، ٧-٨). يبدو هذا الترابط بين القداسة والخلق أكثر وضوحًا في مز ٢٣، ٣ وما يليه: «من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه. النقي الكفين والطاهر القلب الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولم يحلف بالغش، إنه ينال بركة من لدن الرب». وكذلك نقرأ هذا الترابط المعروف بين القداسة والأخلاق في الرواية الشهيرة الخاصة بدعوة أشعياء ٦، ١-٦، وكذلك الربط بين حفظ الوصايا والقداسة، كغاية أخيرة لاختيار إسرائيل في تث ٢٦، ١٨-١٩: «والرب قد اختارك
¹⁵⁵ بهذا المعنى وردت عند هيرودوتوس، التاريخ ٥، ١١٩: «أغراض عظيمة ومقدسة». أنظر أيضًا: أفلاطون، القوانين 884a، بافسانياس، جولة في اليونان ٩، ٢٥، ٨ و ذيموستينيس، مقالة ٢٥، ٣٥.
¹⁵⁶ وردت كلمة قداسة بالمعنى ذاته في نصوص قمران، أنظر كتاب الطاعة ٥، ١٣؛ ٨، ٢١؛ ٩، ٣... الأناشيد ١١، ١٢... في الأدب الرباني راجع: ...Billerbeck 2,691
١٠٩