صفحة 25
تفسير رسالة بطرس الأولى
مكان كتابة الرسالة وزمانها
الجد المستقبلي مرورًا بالدرب الضيق الوعر، درب التشبّه بآلام المسيح. إنّ المؤمنين يألفون الخلاص والرجاء بالمسيح عبر المعموديّة (١، ٣-١٢)، ويفعلونه في الحاضر عبر اتباع الوصايا (١، ١٣-٢٥). باندراجهم في البناء الروحي لشعب الله الجديد (٢، ١-١٠) يُدعون للعيش كنزلاء، قانون حياتهم هو اتباع المسيح الذي «تألّم من أجلنا» (٢، ١١-٢٥). أمّا مَثَلُ الأزواج المسيحيّين (٣، ١-٧) فهو وجه من وجوه المحبّة التي يجب أن تجمع الكنيسة (٣، ٨-١٢) على مثال آلام المسيح التي تتطلّبها الأزمنة (٣، ١٣-٢٢) بتمايزهم عن المحيط الوثنيّ عبر سلوكهم اليومي (٤، ١-٦). يعيش المسيحيّون واضعين نصب أعينهم النهاية التي اقتربت محيطه مدعو للتحلّي بالتواضع والزهد الروحيّين (٥، ١-١١). أمّا التحيات الأخيرة والبركة فيذكراننا من جديد بأنّ هذا النصّ شكل الرسالة (٥، ١٢-١٤).
ظهر لنا بعد هذا العرض السريع لمضمون الرسالة أمران متعلقان بنسيج النص:
١- لا تعتبر رسالة بطرس الأولى رسالة شخصيّة (كما هي حال أغلبيّة رسائل بولس)، حيث يسيطر العنصر الشخصي، أي التطرق المباشر إلى علاقات مباشرة بين مُرسِل الرسالة ومتلقيها، إنّما هي، على الأكثر، أطروحة على شكل رسالة تعالج فيها حلقة من المواضيع، وتضاف إليها مقدمة وخاتمة ذات طابع رسائلي.
٢- القسم الرئيس هو خطاب تعليمي مرتبط بمعموديّة الأعضاء الجدد في الكنيسة، إنّه عظة عماديّة، ومعظم المفسّرين المعاصرين يُجمعون على هذا الرأي. يستخدم الكاتب خطابًا عماديًّا، تبدو فيه جليًّا عناصر ليتورجيّة ونصحية مستقاة من التقليد القديم. وتتداخل في هذا النصّ، بشكل بارع، إشارات تبيّن بوضوح أوضاع الكنائس المرسل إليها. هذا طبيعي، إذ إنّ العظة العماديّة تتطرق إلى آلام المسيح وتدعو المؤمنين للتشبّه بها. عبر إضافة المقدمة والخاتمة، اتخذ هذا الخطاب العمادي، المعدّل ليتلاءم والظروف الخاصة بالكنائس، شكل الرسالة التي بين أيدينا.
٤- مكان كتابة الرسالة وزمانها
نستعلم بطريقة غير مباشرة عبر الآية ٥، ١٣ أنّ الرسالة بعثت من بابل. ما هي المدينة المقصودة في هذه العبارة؟ يدعم التقليد الكنسي القديم بمجمله الرأي القائل بأنّ روما هي المدينة المقصودة. منذ فترة ما بعد الإصلاح الديني في الغرب، برزت تفاسير أخرى أتت، كما قيل بحق، من مصادر متعصبة معادية للبابويّة «محاربين بالكذب البابويّة المؤسسة باطلاً على أولوية بطرس»⁽¹⁾. فلنطلع بالتتابع على كلّ التفاسير المحتملة.
⁽¹⁾ A. Μακράκη, Ἑρμηνεία ὅλης τῆς Καινῆς Διαθήκης, 3, ²1960, 745.
٢٥