صفحة 112
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
۱۷۰۱
التفسير
هو محبّة مُبَرَّرة، كما أن قضاءه في آخر الأزمنة هو المحبّة ذاتها في شكلها التأديبي. لا تشكّل كل هذه الأمور غاية بحدّ ذاتها عند الرسول. اهتمام بطرس من وراء ذكر الآب كقاضٍ أخروي هو لسبب آخر. لِيُذَكِّرَ:
١- بأنّه يدين من دون محاباة لأحد «ἀπροσωπολήπτως»⁽¹¹⁰⁾، من دون أن يتأثّر بالمظاهر، «بالقناع الذي يضعه الإنسان ساترًا وراءه مشاعره وهويّته الحقيقية» (Spicq).
٢- وبأنّه يدين كلّ واحد على قدر عمله. لا بدّ من أن نتوقّف بانتباه أمام استعمال الرسول هنا، صفة المفرد بدل الجمع المعتاد «أعمال – ἔργα»، وذلك ليشير إلى وحدة الحياة، وهي صفة مميّزة للرؤية المسيحية للإنسان (Wohlenberg). يُدان الإنسان بمجمله على حسب وضعه الوجودي تجاه الله، وليس بحسب أعماله الجزئيّة والمعزولة عن بعضها البعض. لا تُدان الأعمال بحدّ ذاتها، بل العمل (ἔργον)، التشكّل بحسب الله الذي منه تصدر الأعمال الجزئيّة.
من هذه المعرفة لله الآب والديّان في آن معًا، تنبع وتتأسّس نصيحة النصف الثاني من هذه الآية: «ἐν φόβῳ τὸν τῆς παροικίας ὑμῶν χρόνον ἀναστράφητε»، «فسيروا، خلال زمن غربتكم، بخوف».
المؤمنون مدعوّون، كسكّان مؤقّتين في هذا الدهر الحاضر، لكون حقوقهم السياسية هي في الموطن السماوي (فل ٣، ٢٠؛ عب ١١، ٩، ١٣، ١٤)، وكأبناء وطن القديسين (أف ٢، ١٩)، إلى أن يسلكوا، خلال زمن سكناهم الأرض، بخوف (المقصود خوف الله). الخوف ليس هو الشعور النفسي المعروف الذي يُنشئ تشابكات داخلية ويدفع بالمرء إلى إيجاد أواليات (mécanismes) دفاعيّة سقيمة، بل هو شعور مشوّش بالتقصير أمام القاضي النزيه وشعور احترام نحو الآب. في أدب الحكمة «خوف الرب» هو أساس الحياة الدينية (مز ١١٠، ١٠؛ أم ١، ٧؛ ٩، ١٠؛ ١٩، ٢٣ - ٢٣، ١٩؛ سيراخ ١، ١١- ٢٠، ٢٣، ٢٧، ٤٠؛ ٢مك ٨، ١٥)، وعند بولس فهو مرتبط بالقداسة (٢كور ٧، ١، ٥، ١١) وبالسلوك تجاه الإخوة (أف ٥، ٢١). إنّه إذا عبارة تقنيّة تُستعمل في التبشير والتعليم التقليدي⁽¹¹¹⁾، مألوفة عند القراء في التعليم الجديد الذي يتلقّونه قبل معموديتهم. يأمر الرسول القراء، كما يقول إيكومانيوس، «أن يجعلوا الخوف مساكنًا لهم دومًا، لا الخوف البدائي (لأنّ هذا جليس العقاب)، بل الخوف الذي يؤدّي إلى الكمال، هو دومًا، عند القديسين الذين يسعون إلى الكمال، خوف من أن
⁽¹¹⁰⁾ ترد هذه العبارة مرّة واحدة في العهد الجديد. أمّا كفكرة، فهي ترد بعبارات أخرى متعدّدة، في العهد القديم (تث ١٠، ١٧)، كما في العهد الجديد (روم ٢، ١١؛ أف ٦، ٩؛ قول ٣، ٢٥؛ يع ٢، ١، ٩؛ أغ ١٠، ٣٤)، وعند الآباء الرسوليّين (رسالة برنابا ٤، ١٢؛ اكليميس ١، ٣).
⁽¹¹¹⁾ K. Romaniuk, “Der Begriff der Furcht in der Theologie des Paulus” in Bul 11 (1970) 168… Balz, and Walke, “φοβέω”, in ThWNT 9,186…
۱۱۲