صفحة 128
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
١، ٢٤-٢٥
التفسير
الاختلافات الأبرز فهي مع النص العبري حيث نقرأ: «صوت يقول: أصرخ. يقول الصوت الآخر: بماذا أصرخ؟ كل جسد هو عشب وكل جماله كزهر الحقل. العشب ييبس والزهر يذبل، أما كلام إلهنا فيبقى إلى الأبد». يستهل النبي صلاة (تضرُّع: παράκληση) المَسْبِيِّين في بابل بالعبارة المعروفة «صوت صارخ في البرِّيَّة...»، وبعدها مباشرة يورد هذه الآيات. فهو، كما يبدو، يواجه قلة إيمان سامعيه، الذين كانوا يرون إسرائيل كزهرة تذوي، بعدما تلقت تدخل الله المؤدِّب لها. ففي محاولة منطقية لمساندة إسرائيل، النبي لم يتمكن من التخلص من الأسر البابلي، يقدِّم أشعياء، في المقابل، قوة كلام الله الذي وحله هو (الكلام) القوي هنا بشيء مماثل، مذكِّرًا القُرَّاء بقوة كلام الله مقابل الضعف البشري، لكي يستمدوا القوة والشجاعة لإتمام الوصايا. إذًا، الفساد والموت لا يملكان في الكنيسة بل كلام الله الأبدي.
موضوع هاتين الآيتين معروف في أدب الحكمة (يستشهد Spicq بالآيات: أي ١٤، ٢. مز ٣٦، ٢، ٨٩، ٥-٦، ١٠٢، ٥، حرب أبناء النور ١٥، ١١-١٢. أناشيد ٢٩، ٧ وما يليها، ٣، ١٠ وما يليها). حيث يُشدَّد على الوجه الفاني والمؤقت لكل ما يعتبره الإنسان نفيسًا وأبديًّا.
وهذا ما تعبّر عنه بروعة، إيديو مالات يوحنا الدمشقي، التي نرتلها في خدمة دفن الراقدين. الإنسان، في كيانه الطبيعي، ضعيف وفانٍ كزهر الحقل الذي يذبل بعد حين. بريقه ومجده زائل أيضًا كالزهر الذي يسقط مباشرة بعد يباس النبات الذي يحمله. وتقدِّم الحياة اليومية أمثلة مشابهة غزيرة عن خور وزوال أفراد وجماعات. هكذا حتى إن الصورة تتكلم من تلقاء ذاتها. ولكن لا بد من التنويه بأن كلا من النبي والرسول لم يهدفا إلى الاستخفاف بقيمة الحياة الحاضرة، ولا يعانيان من شؤم. بل على العكس، هم يريدون أن يجاهروا بقيمة الوجود الإنساني، عندما يؤسس على القاعدة الآمنة الوحيدة: على كلام الله الحي، كلام الله الكلي القدرة. بعبارة أخرى، يكمن مركز ثقل هاتين الآيتين في الإعلان الأخير: «أما كلام الرب فيبقى إلى الأبد». حيث لعبارة «أما - δὲ» معنى النقيض لما قبله.
إبدال بطرس عبارة أشعياء «الله - θεοῦ» بعبارة «الرب - Κυρίου» جعل M. H. Scharlemann يخوض في الأسباب اللاهوتية التي أدت إلى هذا التبديل: يرى بطرس في نبوءة أشعياء بعدها الأخرى. فكما أعتق الله إسرائيل القديم من عبودية بابل، هكذا أيضًا يحرّر يسوع إسرائيل الجديد من الجهل والخطيئة. وتشكل المعمودية الخروج الأخروي من بابل العقلية بزعامة يسوع الذي يقرّ به المؤمنون ربًّا - Κύριο - لذا كان هذا التبديل١٨٤. يبدو هذا الرأي كلامًا أكثر مما يظهر قولًا معقولًا، إلا إذا استثنينا النقطة الأخيرة أي «الرب - Κύριος» هنا هو المسيح (أنظر Bigg وHort حول استعمال العبارة). ولكن
١٨٤ M.H. Scharlemann, “Why the “Κυρίου” in 1 Peter 1: 25?” in CTM 30 (1959) 352...
۱۲۸