انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

مدخل

هذا ما يظهر لنا من النصوص عينها، التي تقدّم لنا سمعان بطرس كزعيم κορυφαῖο، ولكن بحسب المعنى الذي كان يعطى لصاحب وظيفة رئيس الجوق في التراجيديا القديمة: يتكلّم أولاً أو وحده ولكن باسم الجميع، كممثّل لجسم جماعي حيث الكل متساوون. وقد سمّاه بهذا المعنى الآباء الشرقيون: «فم الرسل»، «رئيس الجوق» Coryphée Κορυφαῖος، أي بألقاب تختصر التقليد الإنجيلي وتعبّر عنه بصدق. ضمن هذا الإطار تجد الآية الشهيرة متى ١٦، ١٨ معناها الحقيقي، كما أدركه أيضًا التقليد التفسيري الأرثوذكسي. سمعان هو واضع الصخرة «πέτρα» التي تستند إليها الكنيسة: التعرّف إلى مسيّا الحقيقة أن يسوع المسيح هو حجر الزاوية، كما يقول في الرسالة التي نحن في صدد تفسيرها. ٢، ٤... تاليًا إنه لمن غير المقبول وغير المتوافق مع شخصية بطرس تحويله إلى بابا، أو تقزيمه مجرّد مواطن معادٍ للرومان. يجب ألا يغيب عن بالنا أن الرسول نفسه، عبر ما يعرف عنه، لم يطالب، حتى إنه لم يكن لديه لا الوقت ولا النيّة بأن يطالب لنفسه بحقوق قانونيّة، أو سلطات إداريّة مميّزة. فجهاداته المتواصلة لنشر الإيمان، غيرته على الكنيسة واهتمامه بها، الرحلات، المتاعب والاضطهادات، كلّها لم تترك له المجال للتفكير بأولوية أو سلطة كما فعل الدنيويّون الذين ادّعوا خلافته. فمن غير المسموح تاريخيًّا وشديد الخطورة لاهوتيًّا ومدمّر رعائيًّا، أن نحوّل الحقبة الرسوليّة إلى حقل مزاحمة على الأولوية. يناقض هذا الأمر ما تشهد له النصوص ذاتها التي تروي لنا الجهاد والألم اللذين عاشهما شهود الكرازة، خلال مسيرتهم داخل عالم معارض، وليس صراع فرق لتزعم الكنيسة الأولى. فماذا كان حق الرسل بالمطالبة؟ خطر المواجهة مع الرئاسات، التهديدات بالتعذيب والموت، أسفار دائمة وعناية مستمرة بالكنائس.

من بين الأحداث التي يُذكر فيها بطرس في الأناجيل، بالإضافة إلى اعترافه، لا بدّ لنا من أن نذكر واقعة الإنكار التي أدرجت منذ بدء صوغها، كما يبدو، ضمن رواية الآلام، والتي ربّما تعتبر النصّ الليتورجي الأقدم الذي وصل إلينا١٣. ففي الحقبة التي كان خلالها بطرس ما يزال على قيد الحياة، كان المؤمنون يصغون في اجتماعاتهم الليتورجيّة، خلال فترة الفصح، إلى الرواية المؤثّرة ببساطتها، والتي تدور حول ذلك التلميذ الحمِيّ الدم والعفويّ، الذي أنكر المعلم بعد ساعات قليلة فقط من تأكيده المتباهي أنه سيبقى أمينًا له حتى الموت (متى ١٤، ٦٦-٧٧). يفقد بطرس معاييره، يتفلّت من قاعدة التواضع المتينة، ويقع تحت خبرة الإنكار المقلقة. وهو يظهر لنا، ليس فقط «مزاجه المتقلب» كما يُعتقد، بل بشكل أعمّ، عجز الإنسان عن البقاء أمينًا للربّ، عندما ينقصه التواضع ويبالغ في تقديره قواه الذاتية.


١٣ راجع:

I. Καραβιδόπουλου, Τὸ Πάθος τοῦ Χριστοῦ κατὰ τὰς διηγήσεις τῶν συνοπτικῶν Εὐαγγελίων, 1974, 56, 113...

١٦