صفحة 166
الإصحاح 2 · رسالة بطرس الأولى
١٢،٢
التفسير
١١) لا ينقطع بين الشهوات الآتية من عالم الجسد (σάρξ) والنفس. يلحظ إيكومانيوس أَنَّ «الشهوات الجسديّة تتجنّد ضدّ النفس، على حسب قول المغبوط بولس، والجسد يشتهي ضدّ الروح [غل ٥: ١٧]». في الحقيقة، يبدو أَنَّنا أمام تبديل ينقل ثنائيّة بولس الأخلاقيّة إلى ثنائيّة هلنستيّة- كيانيّة أكثر ممّا هي أخلاقيّة إذا صحّ القول – ثنائيّة الجسد والنفس. هكذا، نوعًا ما، قرأ النص المفسّر المجهول الهويّة (Cramer): «أرجو وأحضُّ أَنْ تكفُّوا عن الشهوات الآتية من الجسد فهذه تتجنّد ضدّ النفس، ولديها عداوة كثيرة تجاهها. لأَنَّ جوهر الجسد شيء آخر». تعكس الجملة الأخيرة ثنائيّة أنثروبولوجيّة كيانيّة، نصادفها في الفلسفة ولكنّها تغيب عن التقليد الكتابيّ. ويعتبر كثيرون من المفسّرين المعاصرين (Knopf, Schrage وغيرهما) أَنَّ هذا هو المعنى الحقيقيّ لهذه الآية. نعتقد أَنْ روحيّة هذه الرسالة لا تبرّر وجهة النظر هذه. ما يجمع هذه الآية مع المناقبية الهلنستيّة هو فقط استخدام عبارات مشتركة (أنظر Bigg)، بينما تندرج الصورة ومعناها ضمن المناقبية الكتابيّة. ثنائيّة الآية أخلاقيّة حكمًا، موازية لما نجده مثلاً في كتاب الطاعة Ἐγχειρίδιον و Πειθαρχίας 4.20 - 21: «وحينما سيُظهر الله بحقيقته كلَّ أعمال الإنسان، وسيظهر لأجل ذاته غلغة الإنسان مبيدًا كلَّ روح الضلالة من داخل جسده، ويطهّره بواسطة الروح القدس من كل أعمال الكفر». يقول بطرس هنا، من حيث الجوهر، ما يقوله بولس في غل ٥، ١٧ (قابل مع بوليكاربوس في رسالته إلى أهل فيليبي ٥، ٣: جيّد أن تقطعوا أنفسكم عن الشهوات التي في هذا العالم، لأَنَّ كل شهوة تحارب الروح»). الفرق هو في استعمال عبارة «النفس» (ψυχή) بدل عبارة «الروح» (πνεῦμα). وربّما أسهم في استعمال عبارة النفس تقدير الكاتب أَنَّه ربّما تكون أقرب إلى فهم القرّاء. ويذكّرنا Schelkle بأَنَّ بطرس يتكلّم على الجسد ليس بمعنى الشهوات الجسديّة بمفهومها الضيّق، بل عن الأنا كوضع أنانيّ عند الإنسان بمجمله. «الجسديّ» (Σαρκικός) هو الإنسان الذي في غربة عن الله بينما «الروحيّ» (πνευματικός) هو الذي يترك الله ولوصاياه أمر تنظيم، ليس فقط أعماله بل مجمل كيانه. الأوّل هو «جسد» (σάρξ)، والثاني «روح» (πνεῦμα) بحسب بولس، أو «نفس» (ψυχή) بحسب بطرس. يحرّض بطرس المؤمنين حتى لا يستسلموا لإغراءات الإنسان القديم، الذي يحيا بعيدًا عن الله، لأَنَّهم، والحالة هذه، سيتعرّضون لخطر فقدانهم كل ما كسبوه من جرّاء انتمائهم إلى الكنيسة، أي إلى الشركة مع الله، هذه الشركة التي دشّنها المسيح. هذا هو معنى أقوال بطرس البعيد، بوضوح، عن الثنائيّة الفلسفيّة.
١٢) يعود هذا الجهاد ضدّ الإنسان القديم ليُبرِّز قضيّة السلوك المسيحيّ عند المؤمنين، داخل محيط عدائيّ، وليشكّل سلاحًا دفاعيًّا وهجوميًّا بآن معًا. وهذا ما تقوله الآية ١٢: «τὴν ἀναστροφὴν ὑμῶν ἐν τοῖς ἔθνεσιν ἔχοντες καλήν, ἵνα ἐν ᾧ»
١٦٦