صفحة 175
الإصحاح 2 · رسالة بطرس الأولى
١٥،٢
تفسير رسالة بطرس الأولى
(١٥) تضع الآية ١٥ أمامنا أسس المنفعة العملية، الكامنة وراء خضوع المسيحيّين لمُثُلي الدولة:
«ὅτι οὕτως ἐστὶν τὸ θέλημα τοῦ Θεοῦ ἀγαθοποιοῦντας φιμοῦν τὴν τῶν ἀφρόνων ἀνθρώπων ἀγνωσίαν»
«لأَنَّهُ هكَذَا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ، أَنْ تَفْحَمُوا بِأَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ جَهَالَةَ الْبَشَرِ الأَغْبِيَاءِ».
يلاحظ الشارح المجهول الهوية عند Cramer: «يقول هذا، لأَنَّ بعضهم في وشايتهم (ضدَّ المسيحيّين)، كان يقول إِنَّ المسيح قد حدَّثهم عن انقلاب الدولة وعلَّمهم أَنْ يحتقروا كلَّ الأمور التي على الأرض. فعندما يرونكم تخضعون للرئاسات بأمر من الرب، يُفْحَمون ويعرفون أَنَّه لمن غير الحقِّ أَنْ يدعوا إلى تشتيت جماعة المسيح». في الأساس، نحن أمام تكرار للآية ١٢، مع فارق في أَنَّ نشاط المسيحيّين في فعل الخير، على حسب إرادة الله، لا يهدف إلى التبشير، بل إلى إفحام الذين يفترون عليهم، حكم الرؤساء العادل (وليس حكم قيصر كما يدَّعي Windisch) سيُبْكِمُ أفواه الناس الذين يدينون، بسهولة ومن دون تفكير، المسيحيّين، ويجهلون، أساسًا وبشكل كامل، إيمان هؤلاء المسيحيّين ومبادئهم الأخلاقية. ويضيف بعض المفسِّرين الحديثين، أَنَّ بطرس ينعت الوثنيّين المفترين، وبطريقة تثير الدهشة، بصفات غير قاسية وغير مُحْرِجة، محاولًا بذلك أَنْ يلطِّف الأجواء، وألَّا يهيِّج المسيحيّين ضدَّهم، تاركًا الباب مشرَّعًا أمام مصالحتهم مع متَّهميهم (Knopf, Schelkle). تغيب هنا النعوت القاسية التي ظهرت في الحقبة التالية (وهي تظهر أحيانًا في الحقبة المعاصرة!)، كما تغيب دعاوى القدح والذمّ التي يهوى معاصرونا التلويح بها. بالنسبة إلى بطرس، من يتَّهم الكنيسة هو «غبي – ἄφρων» لأَنَّه في ظلمة «الجهل – ἀγνωσίας»، ربَّما نحن هنا أمام استشهاد وتحوير لمثل معروف في آسيا الصغرى، شبيه بما ورد في أمثال ٢٦، ١٠ بحسب ترجمة ثيودوتيون (Selwyn).
قبل أن ننتقل إلى المجموعة التالية من الآيات، والتي تتطرق إلى مسائل سلوكية عامة (أنظر الآية ١٦)، أردنا أن نتحدث على متانة النصائح الواردة في الآيات ١٣-١٤ و ١٥-١٥ بالنسبة إلى عصرنا. إِنَّه لمن نافل القول أَنْ نذكر أَنَّ الشارحين يعطون أهمية أولية لهذه المجموعة، في ما يخص مسألة الموقف المسيحي من السياسة. فمثلًا Spicq الذي يلحظ، انطلاقًا من الآية ١٤: «أَنَّه في عصرنا، كثيرًا ما يحتجُّ كثيرون من المسيحيّين على قرارات الحاكم الصادرة في بلدان أخرى، وهم غالبًا غير مطلعين على ملف هذا أو ذاك من المذنبين الذين حكم عليهم. وهنا يجب أَنْ يشدِّد على توصيات كل من بطرس وبولس باحترام القضاء، هذا الاحترام الذي يتميّز به المؤمنون». ولكن هذا الرأي يبقى غريبًا في بعده السياسي عن عصرنا. كان Barclay مصيبًا في قوله إِنَّ النص الذي بين أيدينا مرتبط
١٧٥