صفحة 176
الإصحاح 2 · رسالة بطرس الأولى
التفسير
١٦٢
بإحدى أشكال الحكم الاستبدادي، حيث إنَّ العلاقة الوحيدة بين المواطن العادي والسلطة تنحصر بين حَدَّيْن: إمَّا الطاعة أو الثورة. أمَّا اليوم، فالمواطن، وبطبيعة الحال المسيحي، يسلك باستقامة ليس فقط عندما يخضع بل عندما يشارك فعليًّا في ممارسة السلطة. «من دون شك لا توجد دولة من دون خضوع ما لها، من دون طاعة... ولكن في الديمقراطيات لا يتم التشديد على الخضوع والطاعة بل على التعاون، لأنَّ المواطن في الديمقراطية لا يُحْكَمُ فقط، بل يجب أن يحكم هو بنفسه. لذا فالمسيحي، إن أراد أن يكون متطابقًا مع واجباته تجاه الدولة، عليه أن يسهم في حكم بلده من طريق مشاركته في الإدارة الجماعية، أو في أي هيئة سياسية، كما في الهيئات النقابية. والمؤلم جدًّا أنَّ قلَّة من المسيحيين يتجاوبون حقيقةً مع واجبهم هذا، تجاه الدولة والمجتمع الذي يعيشون ضمنه». يقين Barclay صائب، وهذا ما يتضح لنا عندما نتذكر كم كانت فكرة إبعاد الكنيسة عن المسألة (La problématique) السياسية والاجتماعية، وحصر أبعادها ضمن أطر توافقية دينية غير مُكَلِّفة للناس ومُرِيحة لهم، متعارضةً مع ممارسات الرسل والآباء. الكنيسة نزيلة في هذا العالم وغريبة عنه، ولكنها في الوقت عينه الخميرة التي تغيّر العالم. تاليًا من غير المقبول مماهاتها مع المؤسسات البشرية، وأيضًا من غير المقبول إقصاء أعضائها عن المجتمع، وهم أصلاً مدعوون إلى التحول إلى كنيسة المعمورة بأكملها. المسيحي مدعوّ، من دون أن ينزع من أمام ألحاظه الوطن السماوي، أن يهتم لشأن مسيرته الأرضية.
١٦) ويستمرّ النص في الآية ١٦ بالكلام على الحرّية المسيحية:
«ὡς ἐλεύθεροι καὶ μὴ ὡς ἐπικάλυμμα ἔχοντες τῆς κακίας τὴν ἐλευθερίαν ἀλλ᾽ ὡς Θεοῦ δοῦλοι»
«كأحرار لا كالجاعلين من الحرّية ستارًا للشرّ، بل كعبيد الله».
يربط المفسرون القدماء وكَثُرٌ من الحديثين هذه الآية بالمجموعة السابقة، وإنشائيًّا بعبارة «إخضعوا - ὑποτάγητε» الواردة في الآية ١٣. يضع إيكومانيوس احتمالين للربط بين معاني هذه الآية والآيات اللاحقة: أ- الأوَّل للذهبي الفم الذي يعتبر أنَّ الرسول هنا يجيب عن السؤال التالي: كيف يمكن للمؤمنين كمواطني السماء أن يخضعوا للرؤساء الدنيويين؟: «هكذا إخضعوا كأحرار، إفعلوا هذا كمؤمنين بالحرّ والأمر. لأنكم هكذا لا تفكرون بالشرّ كما يفعل المخالف وغير المصغي، جاعلاً من الحرّية غطاءً رافضًا بواسطتها الطاعة». ب- بحسب الرأي الثاني، الحرّ هو «الذي لا يخضع أبدًا لما هو غير ملائم» وهو الذي لا يعيش بالنفاق. لذا فإن بطرس «يأمر الآن بطاعة الرؤساء بطريقة مخلصة وصادقة»، لأنه عندما لا يكون الخضوع «برغبة»، فهذا يعني أنَّ الخضوع ببساطة وصدق يكون ستارًا للنفاق (قابل مع الشارح المجهول الهوية عند Cramer).
١٧٦